روسيا والصين: توقيع 44 اتفاقية خلال لقاء شي وبوتين
الرأي الثالث - وكالات
رسخت زيارة رئيس روسيا فلاديمير بوتين للصين أمس الأربعاء، العلاقات بين البلدين. وقد تعهد الرئيسان الصيني شي جين بينغ وبوتين بتحدي "الهيمنة الأحادية المتفشية" للولايات المتحدة، عبر بناء "نظام حوكمة عالمي أكثر عدلاً وعقلانية".
جاء ذلك خلال استقبال حافل حظي به بوتين في قاعة الشعب الكبرى ببكين، يماثل الذي قُدّم للرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام.
ورأس بوتين وفداً رفيعاً ضم قادة كبريات الشركات والوكالات الروسية في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والفضاء، مثل غازبروم، وروساتوم، وروسكوزموس. وتُوّجت القمة بتوقيع نحو 44 اتفاقية لتعزيز التعاون الاستراتيجي والاقتصادي والتكنولوجي.
وقال الكرملين في بيان له إنه تم توقيع 22 وثيقة في حفل خاص في نهاية محادثات بوتين وشي، بينما تم إبرام 20 اتفاقية ومذكرة أخرى على هامش القمة الرئاسية.
وقد وصف بوتين شي بأنه "صديق عزيز"، وقال إن روسيا لا تزال مورداً موثوقاً للطاقة إلى الصين، وهي مستعدة لتزويدها بالمزيد من منتجات الطاقة.
وتواصل كل من بكين وموسكو مساراً طويلاً من التقارب السياسي والاقتصادي، ومنذ عام 2013، التقى الزعيمان الصيني والروسي أكثر من أربعين مرة في مناسبات ثنائية ومتعددة الأطراف، فيما زار بوتين الصين حوالي 25 مرة، وفق وكالة "شينخوا" الصينية.
وبحسب وزارة التجارة الصينية، فقد بلغ حجم التجارة الثنائية حوالي 228 مليار دولار في عام 2025، متجاوزاً عتبة الـ200 مليار دولار للعام الثالث على التوالي.
كما ظلت الصين الشريك التجاري الأكبر لروسيا للعام الـ16 على التوالي.
لم تكن القمة مجرد بروتوكول سياسي، بل هي امتداد لخطوات عملية مكثفة اتخذها البلدان في السنوات الأخيرة لتقويض أدوات الضغط الأميركية، وأبرزها حرب "إلغاء الدولرة" عبر التجارة بالعملات المحلية
حيث نجحت روسيا والصين في تحويل غالبية مبادلاتهما التجارية الثنائية إلى اليوان الصيني والروبل الروسي.
وبعد عزل البنوك الروسية عن نظام سويفت العالمي، ربطت موسكو وبكين أنظمتهما المصرفية الخاصة، حيث تم إدماج نظام الدفع الروسي SPFS بالصيني CIPS لتأمين تدفق الأموال من دون قيود غربية.
كما اعتمد البنك المركزي الروسي اليوان الصيني بوصفه إحدى العملات الرئيسية في احتياطياته الأجنبية وفي صندوق الثروة الوطني الروسي بدلاً من الدولار.
وتحولت الصين إلى المشتري الأول والركيزة الأساسية للنفط والغاز الروسي المقاطع غربياً، مما وفر لموسكو تدفقات مالية ضخمة استعاضت بها عن الأسواق الأوروبية.
وسدت بكين الفجوة التكنولوجية التي خلفتها الشركات الغربية في روسيا، عبر تزويد موسكو بالرقائق الإلكترونية، والسيارات، والمعدات الثقيلة، والآلات الصناعية اللازمة لاستمرار الاقتصاد الروسي.
كما يقود البلدان جهوداً حثيثة لتحويل مجموعة بريكس إلى ثقل اقتصادي عالمي يواجه "مجموعة السبع" الغربية، مع التركيز على تطوير نظام مدفوعات موحد للبريكس ودراسة إصدار عملة مشتركة.
استبعاد خط الغاز وعلى الرغم من التقارب بين البلدين، لا يزال خط أنابيب "قوة سيبيريا 2" معلّقاً.
وقال الكرملين في وقت سابق إن المواضيع المدرجة على جدول أعمال المحادثات بين روسيا والصين تتضمن خط الأنابيب المخطط له، على الرغم من أن أياً من الزعيمين لم يذكر المشروع في تصريحاته في أثناء توقيع الاتفاقيات.
وخلال زيارة بوتين السابقة في سبتمبر/ أيلول 2025 للصين، قالت شركة غازبروم الروسية العملاقة للغاز إن الجانبين اتفقا على المضي قدماً في مد خط أنابيب ثان وهو (باور أوف سيبيريا 2).
ومن المتوقع أن ينقل هذا الخط، المقرر أن يكون طوله نحو 2600 كيلومتر، 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى الصين عبر منغوليا من حقول الغاز في يامال بالقطب الشمالي، مكملاً بذلك خط أنابيب (باور أوف سيبيريا1) الحالي.
ولم تدلِ الصين بالكثير من التصريحات العلنية عن المشروع. وقال شي الأربعاء إن التعاون في مجال الطاقة يجب أن يكون "حجر الأساس" في العلاقات الصينية الروسية، إلا أنه لم يأت على ذكر خط الأنابيب.
ولا تزال قضايا رئيسية مثل تسعير الغاز عالقة من دون حل، ويتوقع محللون أن تستغرق المفاوضات سنوات.
وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الأربعاء إنه تم الاتفاق على المعايير الرئيسية لمشروع خط الأنابيب، لكن بعض التفاصيل لا تزال في حاجة إلى وضع اللمسات الأخيرة، على الرغم من أنه لم يوضح ذلك.
وأدانت الصين وروسيا خطط الرئيس الأميركي دونالد ترامب لبناء درع صاروخي من طراز "القبة الذهبية " وسياسة واشنطن النووية "غير المسؤولة" في القمة المشتركة أمس بعد أسبوع من استضافة الرئيس شي جين بينغ ترامب في بكين.
وجاء في بيان صادر عن شي وبوتين أن خطة ترامب لنظام اعتراض الصواريخ الأرضية والفضائية تشكل تهديداً للاستقرار الاستراتيجي العالمي.
وشرح بوتين وهو يجلس بجانب شي بعد محادثات بين الجانبين: "لقد بنينا نظاماً مستقراً للتجارة المتبادلة محمياً من التأثير الخارجي والاتجاهات السلبية في الأسواق العالمية".
وقال الرئيس الصيني في وقت سابق إن الجانبين يعملان على تعميق الثقة السياسية والتنسيق الاستراتيجي. في ظلّ تزايد الضغوط على اقتصادها،
تعتمد روسيا بشكل كبير على التجارة مع الصين للتخفيف من آثار العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب غزوها الشامل لأوكرانيا الذي دخل عامه الخامس.
وذكرت وكالة بلومبيرغ الإخبارية سابقاً أن روسيا تستورد أكثر من 90% من التكنولوجيا الخاضعة للعقوبات عبر الصين.
ووفق وكالة "شينخوا" الصينية الرسمية، وقّع الرئيسان بياناً مشتركاً حول تعزيز التنسيق الاستراتيجي الشامل وتعميق علاقات حسن الجوار والتعاون الودي بين البلدين بشكل أكبر.
وأشار شي إلى أن العام الجاري يوافق الذكرى الـ30 لإقامة شراكة التنسيق الاستراتيجية بين الصين وروسيا، والذكرى الـ25 لتوقيع معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي بين البلدين.
وقال إن العلاقات بين الصين وروسيا وصلت إلى هذا المدى البعيد خطوة بخطوة، وهذا حدث بالتحديد لأن البلدين واصلا تعميق الثقة السياسية المتبادلة والتنسيق الاستراتيجي بعزيمة راسخة.