الوحدة اليمنية.. من حلم الشراكة إلى واقع الغلبة
في الثاني والعشرين من مايو 1990م، شهد اليمن حدثًا تاريخيًا استثنائيًا تمثل في تحقيق الوحدة اليمنية بطريقة سلمية، في مشهدٍ بدا حينها وكأنه إعلان ميلاد مرحلة جديدة من الأمل الوطني.
كانت صورة التوقيع، وما رافقها من مشاعر جماعية، تعكس طموح اليمنيين في بناء دولة حديثة تتجاوز الانقسامات والصراعات، وتؤسس لشراكة وطنية قائمة على التوافق والمصلحة المشتركة.
لم تكن الوحدة محطة سياسية عادية أو قرارًا سياسيًا مؤقتًا، بل جاءت نتيجة نضالات طويلة وتضحيات كبيرة قدمها اليمنيون على امتداد عقود، باعتبارها مشروعًا وطنيًا جامعًا وحلمًا تاريخيًا ارتبط بالاستقرار والتنمية وبناء الدولة.
ولهذا استقبلها الناس بوصفها بداية عهد جديد، لا نهاية لطرف وبداية هيمنة لطرف آخر.
ولعب المناضل علي سالم البيض، الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني آنذاك، دورًا محوريًا في الوصول إلى مشروع الوحدة اليمنية، باعتباره أحد أبرز صُنّاعها السياسيين، حيث تبنى خيار الوحدة الاندماجية السلمية في مرحلة إقليمية معقدة، وقدم تنازلات سياسية كبيرة من أجل إنجاح المشروع الوطني المشترك.
كما ارتبطت رؤيته للوحدة بفكرة بناء دولة تقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية والشراكة الوطنية، باعتبارها الضمان الحقيقي لاستمرار الوحدة واستقرارها، لا مجرد اندماج شكلي بين سلطتين.
غير أن المسار الذي تلا إعلان الوحدة كشف عن اختلالات عميقة في إدارة الشراكة السياسية.
فبدلًا من ترسيخ الثقة بين شركاء الوحدة، دخلت البلاد في أجواء من التوتر والصراع، وتعرض عدد واسع من قيادات وكوادر الحزب الاشتراكي اليمني لعمليات اغتيال سياسية، في مرحلةٍ شديدة الحساسية سبقت حرب صيف 1994م.
تلك الأحداث لم تكن مجرد وقائع أمنية منفصلة، بل شكلت مؤشرًا خطيرًا على أزمة الثقة، وعلى وجود مشروع سياسي يتجه نحو إضعاف الشراكة الوطنية بدلًا من حمايتها.
ثم جاءت حرب صيف 1994م، وسط تحالف لقوى النفوذ التقليدية ضد الحزب الاشتراكي اليمني، لتفتح جرحًا عميقًا في الوعي الوطني اليمني، حيث تحولت الوحدة من مشروع توافقي قائم على الإرادة المشتركة إلى واقعٍ فرضته موازين القوة والغلبة.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت تتآكل الصورة التي حلم بها اليمنيون يوم إعلان الوحدة، لأن الدولة التي كان يُفترض أن تُبنى على أساس المواطنة والشراكة تحولت تدريجيًا إلى سلطة مركزية ضيقة، اختزلت الوطن في النفوذ، والوحدة في السيطرة.
إن جذر كثير من الأزمات التي يعيشها اليمن اليوم لا يعود إلى اللحظة الراهنة، بل إلى تلك الحرب التي رُفعت فيها راية الانتصار بينما كان الوطن يدخل واحدة من أخطر مراحل التشقق.
فالنشوة التي بدت قوةً آنذاك تحولت مع الزمن إلى هزيمةٍ صامتة أضعفت الدولة، وعمّقت الاختلال، وفتحت الباب أمام دورات متواصلة من الصراع والانقسام.
ولهذا فإن قراءة الماضي بوعي ليست ترفًا سياسيًا، بل خطوة ضرورية لاستعادة وطن ما يزال يدفع ثمن أخطاء لم تُواجَه بالشجاعة الكافية.
إن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه السلطة آنذاك أنها تعاملت مع الوحدة باعتبارها انتصارًا سياسيًا لطرف على آخر، لا عقدًا وطنيًا متكافئًا بين الجميع.
بينما تؤكد التجارب الحديثة أن أي وحدة لا يمكن أن تستمر بالقوة أو بالإقصاء، بل بالعدالة والشراكة واحترام التنوع السياسي والاجتماعي.
فالوحدة الحقيقية ليست مجرد دمج جغرافي أو إداري، وإنما مشروع دولة يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والقرار والثروة.
لقد تعرضت الوحدة اليمنية خلال العقود الماضية لعوامل إنهاك كثيرة؛ من الإقصاء السياسي، واحتكار السلطة، وتراجع مؤسسات الدولة، وغياب العدالة، وصولًا إلى الحروب والأزمات التي مزقت المجتمع وأضعفت فكرة الدولة نفسها.
ومع كل ذلك، بقي السؤال الأهم حاضرًا: كيف يمكن الحفاظ على وحدة وطنية لا يشعر فيها الجميع بوجود مصلحة عادلة ومتوازنة؟
لا تُقاس قوة الوحدات الوطنية بالشعارات وحدها، بل بقدرتها على إنتاج دولة عادلة تحقق المصالح المشتركة وتحمي الكرامة الوطنية لجميع مواطنيها.
فحين تتحول الوحدة إلى أداة للهيمنة، تبدأ بفقدان معناها السياسي والأخلاقي، لأن أي مشروع وطني يفقد قيمته عندما يغيب عنه العدل وتتراجع فيه الشراكة.
ولهذا، فإن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى على استدعاء انتصارات الماضي أو إعادة إنتاج الصراعات القديمة، بل على مراجعة شجاعة للتجربة بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات.
فالوحدة التي تستحق البقاء هي الوحدة التي تصنع دولة، لا سلطة؛ وتبني مواطنة، لا نفوذًا؛ وتحمي الجميع، لا أن تتحول إلى عبءٍ على بعضهم.
لقد كان الثاني والعشرون من مايو حلمًا كبيرًا في وجدان اليمنيين، لكن الأحلام الوطنية لا تحميها الذكريات وحدها، بل تحميها العدالة والشراكة والدولة التي يشعر الجميع أنهم جزءٌ منها.
فالوحدة التي لا تنتج وطنًا يتسع للجميع، تبقى مشروعًا ناقصًا مهما كانت عظمة لحظة ميلادها.
✍️ أ .عبدالعالم عبدالجليل
كاتب وباحث يمني