كيف تحوّلت ذكرى الوحدة اليمنيّة إلى ساحة تراشق سياسي؟
لم تحتفل الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا بالذكرى الـ36 للعيد الوطني للوحدة اليمنيّة (22 مايو/أيار 1990) على الأرض، بعدما حذر المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المنحل من إقامة أي احتفال بالمناسبة، لتكتفي الحكومة بخطاب ألقاه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي.
وحتى الخطاب استفز «الانتقالي» كثيرًا؛ ليخرج متحدثة الرسمي عن لياقته، ويكيل، في بيان، شتائم واتهامات للعليمي بممارسة «التقية»، والتخطيط لما قال إنها «عمليات اغتيال قادة الحراك الجنوبي منذ 2007 وحتى 2015»، كما اتهمه باستمرار ممارسة ما قال إنها «خديعة الجنوبيين» مند ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
وقال رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، في خطاب بمناسبة العيد الوطني، «إن الوحدة اليمنيّة، كانت بالنسبة للأجيال المتعاقبة من شعبنا، حلماً عظيماً، ومشروعاً وطنياً وإنسانياً نبيلاً، حمله أبناء الجنوب والشمال معاً«.
وأضاف: «لكن الحقيقة التي لا يجب إنكارها، هي أن ذلك المشروع تعرض لاحقاً لانحرافات خطيرة، أنتجت مظالم عميقة، بدءاً من الإقصاء والتهميش، ووصولاً إلى الإضرار بالشراكة الوطنية التي قامت عليها الوحدة في الأساس».
وجدد التأكيد، وفق وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) على أن «إنصاف القضية الجنوبية، وجبر الضرر، ومعالجة آثار الماضي، وضمان الشراكة العادلة في السلطة والثروة، وتمكين جميع اليمنيين في ظروف طبيعية من التعبير الحر عن تطلعاتهم، وتقرير مستقبلهم السياسي والاقتصادي والثقافي، سيظل التزاماً ثابتاً لا رجعة عنه».
وفي بيانه ردًا عليه، شن المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المنحل، أنور التميمي، هجومًا حادًا على العليمي، واعتبر خطابه متعاليًا ومنتشيًا، متهمًا العليمي بتبعية ما قال إنها قوى النفوذ والفيد في صنعاء وأماكن أخرى، على حد تعبيره.
وقال التميمي إن العليمي ظهر في الخطاب «من دون رتوش ومساحيق» كان يحرص عليها عندما كان للجنوب حضورًا وازنا في المجلس، في إشارة إلى أيام شراكة الانتقالي في المجلس الرئاسي.
وأتهم العليمي بالتوقف عن ممارسة ما سمّاها «التقية»، «فظهر كما هو، ذلك الضابط الذي يخطط ويشرف على عمليات الاغتيال لقادة الحراك الجنوبي منذ 2007 وحتى 2015».
كما اتهم العليمي بأنه كان مشاركًا فيما سمّاها جرائم ما بعد 1994 «ولكن ما ارتكبه هو وحلفاؤه منذ ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، وما يمارسونه من خديعة حاليًا، يفوق بكثير ما ارتكبوه بحق الجنوبيين عام 1994، وعام 2015 «، على حد زعمه.
وأشار إلى أن من سمّاهم الجنوبيين أسقطوا الوحدة وأعادوا للجنوب وضعه الاعتباري السابق بإعلان علي سالم البيض فك الارتباط في 21 مايو/أيار 1994، وهو الذي وقع اتفاقية الوحدة.
واعتبر ما حدث منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي ويناير/ كانون الثاني بدءًا بالقصف الجوي، «هو لإفساح المجال للمكونات الكرتونية التي أسستها السعودية لتكون شاهد زور على جريمة تزوير الإرادة الجنوبية»، على حد قوله.
كما اعتبر ما يجري في الرياض هو محاولة لما سمّاها تبييض الجرائم، التي ارتُكبت وترتكب بحق الجنوبيين منذ ديسمبر(كانون الأول) من العام الماضي، على حد تعبيره. في إشارة إلى الترتيبات لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي، وفي هذا يجدد «الانتقالي» المنحل رفضه له.
كما أكّد الرفض لما اعتبرها محاولة تفكيك ما سمّاها القوات العسكرية والأمنية الجنوبية.
كذلك، أحيّت صنعاء العيد الوطني، من خلال خطاب لرئيس المجلس السياسي (أعلى سلطة الحوثيون) مهدي المشاط، أكّد فيه «أن الوحدة اليمنيّة، في جوهرها، هي مصلحة وطنية عليا لكافة أبناء الشعب من شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله».
ولفت «إلى أن الوحدة جاءت لتؤكد أن ما يجمع اليمنيين من هُوية إيمانية وعقيدة، ولغة، وتاريخ، ومصير مشترك، هو الأصل الثابت والراسخ، وأن التشطير في مراحل قاتمة بفعل الاحتلال عبر التاريخ لم يكن إلا استثناءً غريباً، يناقض منطق الجغرافيا، ويصادم حقيقة الشعب، ويخالف روح الهُوية الإيمانية الواحدة«.
مراجعة التجربة
اقتصر الاحتفال بالعيد الوطني على الخطابات والتدوينات على منصات التواصل الاجتماعي، بينما غاب أي احتفال رسمي على الأرض.
وجاء كثير من التدوينات كمقاربات ودعوة لمراجعات لتقويم مسار الوحدة والحفاظ عليها.
وكتب هاني علي سالم البيض، نجل نائب الرئيس اليمنيّ الأسبق، الذي وقّع والده على اتفاقية الوحدة مع الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، معتبرًا أن «22 مايو لم يكن مجرد اتفاق سياسي بين نظامين أو قيادة دولتين،
بل كان اختبارًا حقيقيًا لمشروع وطني أكبر من السياسة نفسها، حلم اليمنيون من خلاله بوطن يتجاوز الانقسامات والتشطير، يتسع للجميع بشراكة وعدالة ودولة حقيقية».
وفيما يتعلق بالواقع اليوم، قال «مهما تعقدت المسارات السياسية والعسكرية والأمنية، وتبدلت الوقائع تبقى قيمة التجارب في القدرة على مراجعتها بوعي وتفكير موضوعي وقراءة هادئة،
وبثقافة سياسية سليمة تدرك أن الأوطان لا تُدار بالغلبة والإقصاء والهيمنة، بل بالشراكة والعدالة والتنمية وبناء الدولة الوطنية القائمة على القانون والمؤسسات وحياة تحفظ للناس كرامتهم وحقوقهم، وتُعيد للإنسان معناه بمواطنة متساوية تمنح الجميع شعورًا حقيقيًا بالانتماء للوطن».
ونشر هاني البيص على حسابه في منصة إكس مقتطفات من مذكرات والده عن الوحدة كقوله: «ذهبنا إلى الوحدة بمحض خيارنا وإرادتنا، ولم تدفعنا إلى ذلك أية عوامل خارجية. كان قرارًا صائبًا وموقفًا تاريخيًا يسجل لنا في الجنوب، والناس العاديون كانوا مشتاقين للوحدة، وكلهم حماس وتأييد».
وتعليقًا على تدوينات هاني البيض، كتب السياسي والكاتب، مُحمّد المقالح، مؤكدًا على أهمية أن يسعى اليمنيين إلى بعضهم البعض «وأن يستمعوا لكل صوت عاقل يحفظ لليمن وحدتها واستقرارها ويحقق في دولتها العدالة والمسؤولية المشتركة ولمجتمعها التنمية والازهار».
واعتبر «مناسبة العيد الوطني وذكرى تحقيق الوحدة اليمنية في 22مايو المجيد 1990 فرصة لكل هذه المراجعات الوطنية ومن قبل الجميع».
كما اعتبر أن «الموقف من الوحدة اليمنية موقف وطني لا سياسي، والرأي ضدها ليس وجهة نظر بل خيانة وطنية كبرى» على تعبيره.
لا لمزيد من الجدران
وزير النقل الأسبق، صالح الجبواني، نصح «الجنوبيين الذين ما زالوا يحلمون بالانفصال أن يتركوا هذا الوهم، وأن ينظروا إلى الواقع كما هو، لا كما تصنعه العاطفة والشعارات».
وأردف: «فحتى لو تحقق الانفصال غداً، فلن تقوم دولة جنوبية مستقرة وموحدة كما يتخيل البعض، بل سنجد أنفسنا أمام دويلات ومناطق نفوذ ومشاريع متصارعة، لأن الجنوب نفسه أصبح مثقلاً بالانقسامات والتجاذبات والحسابات الصغيرة. «
وأضاف: «ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الجدران، بل مشروع وطني يعيد للدولة معناها، ولليمني كرامته، وللوطن تماسكه».
بينما أعرب الناطق الرسمي باسم لجنة اعتصام أبناء المهرة السلمي، علي مبارك محامد، عن أمله أن يشكل العيد الوطني الـ36 للوحدة اليمنية 22 مايو «محطة لاستعادة روح التلاحم الوطني وتعزيز قيم الشراكة والتعايش وترسيخ معاني الانتماء الجامع بين جميع أبناء الوطن».
على الصعيد الدولي، عبّرت المواقف عن دعمها للوحدة اليمنيّة. وفي هذا جدد الاتحاد الأوروبي «التأكيد على التزامه بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه».
وقال، في بيان مقتضب، على حساب بعثة الاتحاد في اليمن على منصة إكس: «سيواصل الاتحاد الأوروبي وقوفه إلى جانب اليمنيين في جهودهم لتحقيق السلام والتنمية والاستقرار».
فيما قال سفير الولايات المتحدة الأمريكية، ستيفن فاغن «إن العيد الوطني الـ 36 للجمهورية اليمنية 22 مايو، يجسّد محطة مهمة في تاريخ اليمن، ويعكس عزيمة الشعب اليمني وآماله».
وجدد، في بيان نشرته السفارة على حسابها في منصة إكس، التأكيد على «موقف الولايات المتحدة، في التزامها بدعم الشعب اليمني في سعيه نحو مستقبل يسوده السلام والسيادة والأمن والازدهار».
وقال «بينما يحتفل اليمنيون بهذه المناسبة المهمة، فليعلموا أن الولايات المتحدة تقف إلى جانبهم ومستقبلهم».
وتعليقا على بيان السفارة الأمريكية، قال رئيس مركز «سوث24 «للدراسات والأخبار، إياد قاسم: «من المفارقات السياسية أن تهنئوا اليمنيين بذكرى الوحدة الفاشلة، في وقت يقول الجنوبيون بملء الفم للعالم أجمع «لا نريدها». لست أدري هل السفارة الأمريكية تمثل فقط مصالح واشنطن لدى الشماليين؟«، على حد تعبيره.
فيما علق أحدهم على تدوينة قاسم قائلًا: «كانت اليمن موحدة منذ نشأتها الأولى وما زالت كذلك في قلوب أبنائها الأحرار، وستبقى كذلك رغم أنف الحاقدين».
في المحصلة ما يصلح شأن اليمن ووحدته وإنقاذ فكرة «العيش المشترك» يتطلب، وفق مراقبين، ما هو أعمق بكثير من مجرد التهدئة اللفظية، معتبرين التراشق اللساني الحاد الذي يظهر في كل ذكرى لـ 22 مايو ليس إلا عرضًا لمرض أعمق، يتغذى على سنوات من غياب الثقة، وتراكم المظالم، وتضارب المشاريع السياسية على الأرض.
«وهو ما يتطلب وجود شجاعة في إعادة صياغة شكل الدولة والتوافق الوطني السيادي حولها من خلال حوار شامل بمشاركة كافة القوى، ويخرج بخطة إنقاذ واقعية تضمن سلامة المجتمع والاعتراف المتبادل بالمظالم والالتزام بشراكة حقيقية تضع مصلحة المواطن والخدمات وضمان استقلال اليمن وسيادته ووحدته فوق أي اعتبار».
القدس العربي
أحمد الأغبري