إلى أين يمضي «المجلس الانتقالي» في «التصعيد الثوري»؟
الرأي الثالث
أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المُعلن حلّه، الأسبوع المنصرم، انتقال تصعيده إلى مرحلة جديدة اسماها «التصعيد الثوري»، وكأنه بهذا الاسم تجاوز مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة تحمل تحولًا جديدًا، يجعل منه تهديدًا مباشرًا للحكومة واستقرار الوضع العام.
وتحميل صفة «الثوري» للتصعيد يُؤشر إلى أنه تغيير يشمل كل شيء، بما فيها الأهداف والأدوات، لكن على ما يبدو أن التحول لن يتجاوز الأدوات السابقة، بل ما زالت كما هي عليه، ممثلة في ورقة الشارع والميليشيات وتواتر البيانات السياسية،
لكن التحوّل هو فيما ستحمله المظاهرات والبيانات، التي ارتفعت حدتها، ولهجة لغتها، وتغيّر اتجاه بوصلتها؛ ما يعني أن الأهداف تغيّرت أيضا.
ومع ذلك، فإن هذا التحوّل في الأهداف – لا في الأدوات – يكشف عن تحوّل استراتيجي عميق في خريطة التحالفات والصراعات.
فبعد أن كان «العدو» الأول للانتقالي هو الحوثيون في الشمال، باتت السعودية محطّ الاتهام المباشر، متهمةً بالوصاية على الجنوب والاحتلال الفعلي لشرقه.
وقد تجلّى هذا التحوّل في رفض الانتقالي لاتفاق تبادل الأسرى الذي رعته السعودية مع الحوثيين في عمّان، وقبل ذلك في رفضه للمجالس التنسيقية التي يراها تهديدا وجوديا لمشروعه.
وبهذا، لم يعد «التصعيد الثوري» يتجاوز تصعيد لهجة أو تكثيف بيانات، بل صار إعلانا صريحا بأن الانتقالي ينظر إلى السعودية – لا إلى الحوثي - باعتبارها العقبة الرئيسية أمام تحقيق «دولة الجنوب»،
وهو بهذا لا يستعد لمواجهة مباشرة معها، بل يعمد إلى تكثيف الضغط الميداني والإعلامي ضدها، مستفيداً من الفتور في العلاقة السعودية-الإماراتية، ومن إدراكه أن أي تسوية سعودية-حوثية ستُبقي اليمن موحدا.
وأعلن المجلس الانتقالي تدشين ما سمّاه «التصعيد الثوري»، في سياق مسار استهلّه بمسيرات في عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى؛ وهو في هذا التصعيد،
وكما أكّد في أحد بياناته، سيستمر في المظاهرات التي لن تتوقف، ما يعني مضيّه في تكثيف التظاهرات بالتوازي مع تغيير برامجها.
والهدف في الأخير هو تكريس وضع عدم الاستقرار في المشهد السياسي في محافظات جنوب وشرق البلاد، بما من شأنه إيصال رسائل للخارج أكثر وضوحًا عن السابقة،
مفادها أنه هو صاحب السيطرة الفعلية على الأرض، خاصة وأنه ينظم تظاهراته التي تعكس حجم حضوره الشعبي، وبالتالي يؤكد ما سبق طرحه أن الشرعية تكتسب من الناس وليس من السلطة؛ وبالتالي فهو يريد القول إنه صاحب الشرعية هناك.
لكن هذا التصعيد يحمل في طياته صراعاً على السلطة يتجاوز الشارع إلى المؤسسات. فقد تحدّثت سلطات الأمن في حضرموت عن ضرورة الحصول على تصريح مسبق بالتظاهرة،
بينما أكّدت القيادة المحلية للانتقالي على الإخطار فحسب، وهو بذلك يتفق مع قانون المظاهرات والمسيرات رقم (29) لسنة 2003، الذي لا يشترط الحصول على ترخيص مسبق.
وهكذا يحوّل الانتقالي المعركة القانونية إلى ساحة أخرى للمواجهة، متهماً السلطة المحلية بمخالفة القانون، وبالتالي يُضعف شرعيتها القانونية.
وعلى الرغم من تهديد إدارة الأمن في المكلا، مضى الانتقالي في تنظيم تظاهرته، وترتب عليها تصعيد أمني أتهم معه الانتقالي قوات السلطة المحلية بإطلاق الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين في حضرموت وعدن أيضًا.
وإذا كانت المظاهرات أداة لإثبات الحضور الشعبي، فإن المعركة القانونية أداة لإثبات الشرعية المؤسسية، والانتقالي يلعب على الاثنين معاً:
فهو يُظهر نفسه «الشعب» الذي يملك الشرعية، و«القانون» الذي يحمي حقه في التظاهر من دون إذن من سلطة يرى أنها «غير شرعية»،
وبالتالي يُضعف السلطة المحلية من الجانبين: الشعبي والقانوني، ويُمهّد لفرض أمر واقع سياسي يُجبر الخارج على التعامل معه كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
وفي هذا السياق، أكّد الانتقالي في بيان «الرفض القاطع لجميع أشكال القمع وتكميم الأفواه»، مشددًا «على أهمية صون الحريات العامة وحق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم ومواقفهم السياسية».
وهو بهذا يقدّم نفسه ضحية إجراءات قمعية في بيان سبقته بيانات أدان فيها الانتقالي صدور أوامر قبض قهرية بحق بعض قياداته واعتقال بعضها بالفعل، وملاحقة إعلاميين وناشطين محسوبين عليه.
وهو بهذا يؤكد استهداف السلطات الحكومية لحضوره السياسي؛ وبهذا التصعيد يقدم نفسه ثائرًا.
في تصعيده باستخدام ورقة الشارع، يُراهن المجلس الانتقالي في المقابل على ميليشياته؛ ففي حال إمعان السلطات في قمع تظاهراته وملاحقة ناشطيه، فإن ذلك سيدفع ميليشياته في الأخير إلى النزول للشارع «لحماية المتظاهرين»،
ولا يُستبعد أن يتحوّل ذلك إلى فرض واقع جديد على السلطات القائمة، وفق مراقبين.
وكما يعتبر مراقبون أن هذا الرهان ليس مجرد تهديد بلاغي، بل هو استراتيجية متدرجة يُجيدها الانتقالي منذ سنوات: فقد سبق له أن حوّل «حماية المتظاهرين» في كانون الأول/ديسمبر 2018 إلى سيطرة عسكرية على عدن،
وكرّرها في آب/أغسطس 2019 عندما استخدم «الحماية المدنية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمات الأساسية» ذريعةً لإسقاط «الحكومة» في العاصمة المؤقتة.
والآن، مع امتلاكه فصائل مسلحة فإن «الحماية» ستكون هذه المرة أشمل وأكثر تسليحاً، خاصة بعد أن أثبتت السيطرة على حضرموت والمهرة (كانون الأول/ديسمبر 2025) أن ميليشياته قادرة على فرض أمر واقع عسكري بدون مواجهة مباشرة مع السعودية.
وهكذا يصير الشارع «الفخ» الذي يُوقع فيه الانتقالي السلطات المحلية: إما القمع فيُبرّر تدخّل الميليشيات، وإما الصمت فيُكرّس عدم الاستقرار.
وفي الحالتين، يكون الانتقالي قد حوّل «التصعيد الثوري» من شعار إلى آلية ضغط تُجبر الخارج على اختيار بين «تسوية مع الانتقالي» أو «حرب أهلية جديدة»،
وهو ما يُدركه جيداً من أن السعودية قد تفضّل التسوية على المواجهة، حتى ولو كانت على حساب «وحدة اليمن».
مجالس التنسيق
يأتي التحوّل في مسار التصعيد المرتقب للمجلس الانتقالي عقب متغيرات شهدتها الساحة، فبالإضافة إلى استهداف قياداته وملاحقة ناشطيه، شهدت الساحة تواتر صدور بيانات عن تأسيس مجالس تنسيقية في محافظات الجنوب والشرق،
وهذه المجالس تستهدف ضم ممثلي المكونات السياسية والاجتماعية بصفتها ممثلا لكل محافظة،
وبالتالي هي مَن يختار ممثلي المحافظات في مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع في الرياض والذي تُعدّ له السعودية، وهو ما مثّل مصدر قلق للانتقالي الذي يعتبر نفسه ممثلًا شرعيًا وحيدًا لما يسمّيه شعب الجنوب؛ وبالتالي فهذه المجالس تمثل مصدر تهديد وجودي له.
وبصرف النظر عن صوابية أو عدم صوابية فكرة المجالس التنسيقية، فإن السياسة كفيلة بالذهاب بأي مشروع باتجاهات تختلف مع حقيقة الواقع؛ وبالتالي فالمجالس التنسيقية قد تكون محاولة للالتفاف على الانتقالي، وإنهاء فكرة تمثيله لما يسمى الجنوب؛
وبالتالي فالسياسة صراع مصالح؛ وفي هذا لا تتصارع مصالح بقدر ما تتصارع مشاريع؛ ومشروع المجلس الانتقالي يفترض- بعد قرار حلّه- أنه صار في حكم المنتهي بنظر الرياض؛ لاسيما وهو محسوب على أبو ظبي،
وبالتالي فالمشكلة تتجاوز كونها صراع مشاريع إلى صراع نفوذ؛ وهذا ما يستند إليه الانتقالي في لهجته المرتفعة،
انطلاقًا من داعمه الخارجي في المقام الأول والشارع الغاضب من الوضع العام في المقام الثاني، والميليشيات التي يمكن أن تتحرك لصالحه في أي وقت في المقام الثالث.
وانطلاقاً من ذلك، فإن ما أبداه الانتقالي من قلق ورفض للمجالس التنسيقية ينطلق من مخاوف حقيقية ومصيرية: فإذا نجحت الرياض في تفكيك ما يراها «الشرعية الانتقالية» عبر هذه المجالس،
وفي إقصاء الزُبيدي ورفاقه من مؤتمر الحوار الجنوبي، فإن الانتقالي سيصبح – نظرياً ـ «جماعة متمردة «لا تمثّل أحداً، وستبرّر السعودية أي تدخل عسكري ضدّه باعتباره «قمعاً للفوضى» لا «قمعاً للجنوب».
وهذا ما يفسّر اندفاع الانتقالي نحو «التصعيد الثوري» الآن، قبل أن تكتمل خريطة المجالس التنسيقية، وقبل أن يُصدر مؤتمر الرياض «شرعية بديلة» تُجبر المجتمع الدولي على التعامل مع «جنوب جديد» بلا انتقالي.
ومن أبرز مظاهر التصعيد الأخير للمجلس الانتقالي هو تحوّل بوصلة العداء من الشمال اليمني إلى الرياض؛ فبعدما كانت تهم «الوصاية» و«الاحتلال» موجّهةً نحو صنعاء، باتت تُصوّب الآن نحو السعودية نفسها، التي وصفها الانتقالي بـ«احتلال جنوب وشرق اليمن» و«ممارسة الوصاية» عليه،
مما يعني أنه يحملها مسؤولية تدهور كل الأوضاع في تلك المحافظات.
وهذا التحوّل ليس مجرد تغيّر في الخطاب، بل هو إعلان حرب سياسية تندرج في سياق الخلاف السعودي-الإماراتي الذي بدأ عقب «عاصفة الحزم» 2015 وتحوّل من خلاف استراتيجي إلى مواجهة ميدانية غير مباشرة
ومع تطوّر هذا الخلاف، بلغت لغة الاتهام ذروتها بوصف السعودية بـ «الاحتلال»، في محاولة لدفع الرياض إلى تخفيف حدة مشروعها الإقصائي للانتقالي، خاصة وأن الأخير يرى في دعم السعودية للحكومة اليمنيّة المعترف بها دولياً تهديداً وجودياً لمشروع «دولة الجنوب»،
ويعتقد أن الضغط الشعبي والإعلامي – مدعوماً بورقة الميليشيات – قد يُجبر الرياض على التراجع، أو على الأقل على قبوله طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
مما سبق، فالمجلس الانتقالي الجنوبي، المُعلَن حلّه، دشّن «تصعيداً ثورياً» يركّز على أربعة محاور: الشارع (مظاهرات متصاعدة)، الخطاب (اتهام السعودية بالوصاية والاحتلال بدلاً من الشمال)، والميليشيات (رهان ضمني على التدخّل العسكري لحماية المتظاهرين)، واعتماد أي أوراق قد تُستخدم لإرباك المشهد كرفض اتفاق تبادل الأسرى.
هذا التحوّل يأتي رداً على مشروع سعودي إقصائي، يتمثّل في دعم مجالس تنسيقية بديلة تمثّل محافظات الجنوب في «حوار الرياض» المرتقب، وإبعاد الانتقالي (المحسوب على أبو ظبي) عن أي تسوية مستقبلية. أي أن السعودية تسعى لـ«جنوب جديد» بلا انتقالي،
بينما يحاول الأخير فرض أمر واقع عبر عدم الاستقرار، مستفيداً من الخلاف السعودي-الإماراتي، وأيضا من إدراكه أن الرياض قد تفضّل التسوية على المواجهة وإدخال الجنوب اليمني في حرب جديدة.
أحمد الأغبري