كيف ملأ الحوثي فراغ خصومه؟
في كل مرحلة من مراحل الصراع اليمني يبرز سؤال محوري: كيف تمكن الحوثيون من فرض أنفسهم قوة مهيمنة في أجزاء واسعة من البلاد رغم تعدد خصومهم وامتلاك هؤلاء الخصوم موارد بشرية وعسكرية أكبر بكثير؟.
الجواب لا يكمن فقط في قوة الحوثي، بل ربما في التشرذم الذي أصاب القوى المناوئة له. فالحركات السياسية والقبلية والعسكرية التي كان يفترض أن تشكل جبهة موحدة في مواجهته، تحولت مع مرور الوقت إلى أطراف منشغلة بصراعاتها البينية وحساباتها الخاصة، حتى أصبح الخلاف بينها أشد من خلافها مع الحوثي..
لقد عرفت القبيلة اليمنية تاريخيا بأنها أحد أهم مراكز القوة والتوازن في المجتمع. وكانت مكانة الشيخ مرتبطة بقدرته على حماية جماعته والدفاع عن مصالحها ومواقفها، لكن سنوات الحرب الطويلة أضعفت كثيرا من البنى التقليدية، وأدخلت القبائل في شبكات معقدة من الولاءات والضغوط والمصالح المتعارضة. ومع تراجع استقلالية القرار القبلي، فقدت القبيلة جزءا من قدرتها على لعب دورها التاريخي كقوة توازن في مواجهة المشاريع التي تهدد المجتمع والدولة..
أما الأحزاب السياسية، فقد وجدت نفسها غارقة في صراعات النفوذ والمكاسب الضيقة. وبدلا من بناء مشروع وطني جامع، انشغل كثير منها بإدارة خلافاته مع شركائه المفترضين. ومع مرور الوقت، تحولت الجبهات الإعلامية والسياسية بين القوى المناهضة للحوثي إلى ساحات استنزاف متبادل، بينما ظل الحوثي المستفيد الأكبر من هذا الانقسام..
وفي الجانب العسكري، تبدو المفارقة أكثر وضوحا، فهناك عشرات الآلاف من المقاتلين المنتشرين في مناطق مختلفة، لكن غياب القيادة الموحدة والرؤية المشتركة جعل هذه القوة الكبيرة عاجزة عن التحول إلى مشروع عسكري وسياسي متكامل. وعندما تتوزع البنادق بين مراكز قوى متعددة، يصبح تأثيرها أقل بكثير مما يوحي به حجمها العددي.
استغل الحوثيون هذا الواقع بمهارة، فبينما كان خصومهم يتنازعون فيما بينهم، عملوا على تعزيز تماسك بنيتهم التنظيمية وتركيز القرار في يد قيادة واحدة. وفي الحروب والصراعات، كثيرا ما تنتصر الجهة الأكثر تنظيما وانضباطا على الجهة الأكبر عددا والأوسع انتشارا..
إن المشكلة الأساسية ليست في قوة الحوثي وحدها، بل في الفراغ الذي تركه خصومه، فالفراغ السياسي تملؤه القوى المنظمة، والفراغ القبلي تملؤه الجماعات الأكثر حضورا، والفراغ العسكري تملؤه الجهات التي تمتلك قرارا موحدا. ولهذا فإن أي مشروع لمواجهة الحوثي لا يمكن أن ينجح ما لم يبدأ أولا بمعالجة أسباب الانقسام والتنازع داخل المعسكر المناهض له..
لقد أثبتت سنوات الحرب أن الخصم لا ينتصر دائماً لأنه الأقوى، بل قد ينتصر لأن خصومه فشلوا في الاتفاق على هدف واحد وطريق واحد. وفي الحالة اليمنية، يبدو أن الانشغال بالصراعات الجانبية منح الحوثيين فرصة تاريخية لملء الفراغ وتوسيع نفوذهم، بينما ظلت القوى الأخرى تدور في دائرة الخلافات المتبادلة، عاجزة عن تحويل إمكاناتها الكبيرة إلى قوة موحدة قادرة على تغيير المعادلة..
وبناء على ما سبق، فإن الخروج من حالة التشتت والعجز لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تكتل وطني واسع يتجاوز الانتماءات الحزبية والقبلية والمناطقية، ويجمع كل القوى المؤمنة بالدولة والجمهورية في إطار واحد وهدف واحد، فالمعركة لم تعد معركة فئة أو حزب أو قبيلة، بل معركة وطن ومستقبل. ومن دون قيادة موحدة وقرار سياسي وعسكري واحد تحت مظلة الوحدة والجمهورية، سيظل الانقسام أكبر هدية تمنح للحوثيين، وسيبقى استعادة الدولة هدفا مؤجلا مهما توفرت الإمكانات والقدرات..