العالم بعد ترامب: سيناريوهات بعضُها مُظلم
“العالم بعد ترامب” عنوان لحوار ومقال مطوّل نشرته صحيفة الفورين بوليسي الأمريكيّة في عددها الخاص بربيع 2026، للكاتب والمحلّل الجيوسياسي وأستاذ الشّؤون الدّوليّة في كليّة جون هوبكينز للدّراسات المتقدّمة؛ هال براندز Hal Brands،
ناقش فيه النّظام العالمي الحالي وأفول عصر ما بعد الحرب الباردة والسّيناريوهات الثّلاثة المُتوقّعة للنّظام البديل الّذي سيدير العالم بعد العشر سنوات القادمة، أي بعد انتهاء الحرب على إيران ومغادرة الرّئيس ترامب.
أفاد براندز بأنَّ النّظام العالمي الحالي المبني على القواعد Rules-based order الّذي أنشأته الولايات المتّحدة الأمريكيّة بعد الحرب العالميّة الثّانية وانتصارها في الحرب الباردة على الاتّحاد السّوفييتي،
قد انتعش وأنعش العالم طيلة السّنوات الّتي خلت عبر فرض الاستقرار ومنع الحروب الكبيرة وتشجيع وحماية التّجارة الحرّة والانفتاح الاقتصادي وغيرها والّذي سُمّي بعصر السّلام الأمريكي Pax Americana إلّا أنّه أصبح في السّنوات الأخيرة يمرُّ بمرحلة انتقاليّة تأخذه إلى الزّوال، لأسباب عدّة، أهمّها السّعي الرّوسي الصّينيّ المضطّرد لتقويضه،
وكذلك التّحوّلات الكبيرة في السّياسات الأمريكيّة المتراكمة على مدى سنوات طويلة والّتي بلغت أوجها في عهد الولاية الثّانية للرّئيس ترامب حيث شهدنا تسارعاً فعليّاً وحادّاً في تآكل هذا النّظام وتفجيراً بالنّظام التّجاري العالمي وضعفاً بتحالف عبر الأطلسي وازدياداً بالحروب.
وفي ظلِّ عدم توفّر نظام بديل جاهز، فقد توقّع براندز ثلاثة سيناريوهات مختلفة سيحتكم العالم لإحداها مستقبلاً:
سيناريو العودة الى ثنائيّة الأقطاب. ويمكن فهمه كإحياء لصراع “قلب العالم وحوافّه”. ينقسم فيه العالم إلى كتلتين متناحرتين، إحداهما بقيادة واشنطن والأخرى بقيادة بكّين.
يضمّ التكتّل الصّيني: الصّين، الدّول الاستبداديّة الأوراسيّة مثل روسيا وإيران وكوريا الشّماليّة وربّما أجزاءً من الجنوب العالمي المرتبط اقتصاديّاً بالصّين.
يقابله تكتّل غربي أعيد تشكيلُه، يضمّ: الولايات المتّحدة الأمريكيّة وأوروبّا وبعض دول آسيا والمحيط الهادئ.
وقد نجد بين الجانبين دولاً متأرجحة مثل الهند والسّعوديّة واندونيسيا والبرازيل؛ تحاول تحقيق أكبر قدر من المكاسب عبر اللّعب على الطّرفين بشكل انتهازي وانتقائي.
وبمعنى آخر، العودة إلى “الحرب الباردة” الّتي كانت قائمة سابقاً بين الاتّحاد السّوفييتي وأمريكا، إذ كان كلّ طرف فيها يخوض صراعاً جيوسياسيًّا وجيواقتصاديًّا ضدَّ الآخر لاستقطاب أكبر عدد من دول العالم حوله ليبدو الأقوى.
يتّسم التّكتّل الّذي تقوده أمريكا بليونة نسبيّة عن السّابق، كما وانَّ التّنافس سيكون حقيقيّاً بين الكتلتين وسيبقى ويستمر بغضّ النّظر عن نتيجة القمّة المرتقبة بين ترامب وشي جين بينغ، وسيفرض ضغوطاً هيكليّة قويّة على أمريكا والصّين وبقيّة النّظام الدّولي.
واصفاً إيّاه بالصّعب والخطير، لما يتسبّب به من أزمات عسكريّة ودبلوماسيّة وصراعات حول الاقتصاد والتّكنولوجيا والعلاقات التّجاريّة المتبقيّة بين الكتلتين كما كان زمن الحرب الباردة الأصليّة،
لكنّ الحال هنا، كما رآه براندز، سيكون أكثر تعقيداً للاختلاف الكبير بين قوّة الاتّحاد السوفييتي آنذاك وقوّة الصّين الآن.
سيناريو تعدّد الامبراطوريّات أو “مناطق النّفوذ”. وفيه تسعى كلُّ مجموعة قويّة من الدّول لإخضاع جيرانها من الدّول الأصغر والأضعف بغية الاستحواذ على مناطق نفوذ اقليميّة أوسع تساعدها في تشكيل الإمبراطوريّة الأكبر والأقوى.
تركّز الولايات المتّحدة الأمريكيّةهيمنتها هنا على نصف الكرة الغربي (الأمريكيّتين) ما يعني انسحابها تدريجيّاً من دورها العالمي، وتلقائيّاً، من التزاماتها الأمنيّة في أوروبّا والشّرق الأوسط وشرق آسيا، الأمر الّذي يسمح لقوى إقليميّة أخرى ببناء مناطق نفوذها الخاصّة بها.
فالصّين مثلاً ستعمل لتغطية أجزاء واسعة من شرق آسيا وجنوب شرق آسيا، كما وسنشهد نفوذاً روسيّاً يشمل فضاء الاتّحاد السّوفييتي السّابق، وستحاول الهند فرض أولويّة أكبر في جنوب آسيا والمحيط الهندي،
كذلك ستشكّل أوروبّا قطباً يمكنه أن يلتفّ حول ألمانيا، وأيضاً في العالم الإسلاميّ والشّرق الأوسط، حيث توجد دول تصلح لتشكيل مناطق نفوذ كالسّعوديّة وتركيّا وحتّى دولة الاحتلال.
لكنّ الحال هنا سيكون أكثر تعقيداً ممّا كان عليه عصر الإمبراطوريّات السّابق بسبب التّرابط الاقتصادي الحالي العميق. فمثلاً، إذا كان بإمكان الولايات المتّحدة الأمريكيّة فرض هيمنة عسكريّة على أمريكا الجنوبيّة؛ فقد لا تستطيع إزالة النّفوذ الصّيني من شبكات الاتّصال أو العلاقات التّجاريّة هناك.
سيناريو الانحدار إلى الظّلام وعالم الفوضى. وهو الأخطر. ويقوم على استقلاليّة كلِّ دولة واعتمادها على الذّات لمساعدة نفسها بغياب قوّة عظمى مهيمنه توفّر لها الأمن والاستقرار. فهو عودة لحالة الاضطّراب الشّامل الّذي ساد العالم ببداية القرن العشرين عندما اندلعت حربان عالميّتان متتاليتان.
ستعتمد أمريكا هنا ممارسات استغلاليّة وسلوكيّات عدوانيّة تثير تداعياتها فوضى عالميّة عارمة، ما يجعلها -وبقيّة القوى الكبرى- تسعى لتغيير النّظام القائم. (لك أن تتخيّل بأنَّ الدّولة صانعة النّظام؛ هي ذاتها الّتي تسعى لتغييره).
وستجرّ هذه الممارسات السّلبيّة والفوضى المنتشرة بقيّة الدّول، كاليابان وكوريا الجنوبيّة وبولندا وفنلندا للاعتماد على ذاتها بطرق يائسة -كالسّعي لامتلاك اسلحة نوويّة كيما تحمي أمنها وسلامتها.
قد نشهد هنا حروباً محتدمة واختفاءً لدول لا تملك مناعة البقاء (إمّا بسبب حجمها أو انكشافها أو بسبب عدوان جيرانها أو بسبب تسلّق القوى الدّوليّة عليها). وقد تظهر دول جديدة وتتوحّد أخرى، ممّا يؤدّي بنهايته للدّوران بحلقة مفرغة من الفوضى.
وحين سُئل براندز عمّا إذا كان هناك خيار رابع يتمثّل بالعودة إلى النّظام العالمي القائم، أجاب: أنَّ النّظام الحالي القائم على المبادئ والقيم قد مات ودفن. فقد بدأ يتلاشى منذ العشرين أو الثّلاثين سنة الماضية بعد مروره بمرحلتين:
الأولى بعد الحرب العالميّةالثّانية، وضمّت أوروبّا واليابان وكوريا الجنوبيّة
والثانية بعد الحرب الباردة مع الاتّحاد السّوفييتي، حين ظهرت طموحات أمريكيّة غربيّة لتحويله إلى نظام عالميعبر دمج مناطق جديدة وتشجيع الدّيموقراطيّة واقتصاد السّوق. لكنَّ هذا الطّموح انتهى الآن بدفع الصّين وروسيا بقوة ضدّه، إضافة لوجود تشكيك متزايد من الدّاخل الأمريكي ذاته بعدم جدوى دعمه.
ويعتقد براندز بأنّ أمريكا ستستمرّ في لعب دور، وصفه “بالإيجابي” على المستوى العالمي؛ لكن بطريقة أكثر حدّة وبراغماتيّة وأقلّ مثاليّة.
ورغم ما يحمله سيناريو القطبين من سلبيّات، كانتهاكات وصراعات، غير أنّه يبقى، لدى براندز، الخيار الأنسب أو الأقل سوءاً لأمريكا، إذ أنَّه يحافظ على قدر من التّعاون بينها وبين وحلفائها الدّيموقراطيّين ويسمح ببقاء توازن قوى من شأنه المحافظة على بقاء الأنظمة الدّيموقراطيّة وربّما ازدهارها،
إضافة لكون التّنافس فيه محصوراً بجهة واحدة هي الصّين؛ يمكن التّنبّؤ بسلوكها والضّغط عليها، بدل التّنافس مع عدّة أقطاب أو التّخبّط بفوضى شاملة.
مجيباً على سؤال حول السّيناريو الّذي يفضّله لو كان دولة نامية أو متوسّطة كنيجيريا أو سيريلانكا، قال براندز: كان الصّراع في السّنوات الأخيرة صراع أيديولوجيا بين الدّيموقراطيّة والاستبداد، لكنّ هذا لم يعد دقيقاً الآن.
ورأى بأنَّ استمرار أمريكا بالتّحالف وقيادة الغرب؛ لن يكون بناء على مبادئ الدّيموقراطيّة وقيَمِها الّتي فهمناها سابقاً، بل على المصالح المشتركة. فتحالفها مع أوروبّا ضدّ الصّين هو لمصلحة البلدين المشتركة في منع الصّين من الهيمنة العالميّة.
ونوّه براندز في اللّقاء؛ بدور الرّئيسين هاري ترومان وجورج بوش الأب الإيجابي في إبقاء النّظام اللّيبيرالي فاعلاً مزدهراً، وبدور ترامب المرعب في الإضرار به بل والإجهاد عليه.
ولتجنّب حدوث الأسوأ، ينصح براندز صنّاع القرار في أمريكا؛ القيام بترميم العلاقات مع العالم الديموقراطي بعد أن أضرّت التّهديدات الأمريكيّة بالضّم والسّيطرة على دول ككندا وغرينلاند، بالثّقة عبر الأطلسي.
كذلك التّركيز على الجوانب الإيجابيّة في سياساتها والتّخفيف من النّزعات العدوانيّة المفرطة. فقد تتمكّن حينها من النّجاح نسبيّاً في عالم الحرب الباردة الثّانية.
ويختصر براندز نقاشه بأنّ كلّ التّوقّعات المستقبليّة مرهونة بالكثير من القرارات والدّورات الانتخابيّة الأمريكيّة المقبلة. لكِنّ استكشاف ما وراء هذه الفترة الانتقاليّة هو الخطوة الأولى نحو الاستعداد لما هو قادم، والّذي يتوقّعه براندز، أن يكون أكثر انقساماً وضراوة ممّا هو عليه الآن.
روزيت الفار