
حرب ترامب التجارية.. من وهم "التحرير" إلى خطر التدمير
أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على يوم الأربعاء الفائت اسم "يوم التحرير"، بعد أن أعلن خلاله عن حزمة رسوم جمركية عالية على كل البضائع الأجنبية المستوردة من سائر بلدان العالم،
يقول إنه فرضها "لتحرّر" أميركا من علاقات تجارية "مجحفة"، وبخاصة مع الحلفاء منهم. وبعد 48 ساعة على إعلانها، وجدت واشنطن نفسها أبعد ما تكون عن مثل هذا "التحرير" وأقرب إلى التدمير الاقتصادي.
النزيف الذي أصاب الأسواق المالية (6 تريليونات دولار خسائر في اليومين الماضيين) هزّ المؤسسات والقطاعات الاقتصادية والمالية والإنتاجية على اختلافها،
فضلاً عن عالم الاستثمارات والتجارة الدولية. حالة الذعر العارم، عكست الخوف من مجهول مفتوح على الأدهى.
فعندما يكون المطروح بحجم محاولة "لإعادة إنتاج اقتصاد أميركي إلى جانب نظام تجاري دولي، بطبعتين جديدتين" ومن دون ضمان استمرارية الإنتاج والتبادل بين الأسواق المتداخلة، عندئذٍ تكون المخاوف في محلها.
المآخذ على سردية الرئيس ترامب أنها متنافرة مع معطيات الوقت الراهن. ويعود ذلك إلى مزيج من القناعة "الأيديولوجية والارتباك في المقاربة"، بحسب بعض القراءات.
فهو أصلاً ومنذ زمن مشدود إلى التعويل على خيار الرسوم، من جهة "أنه يوفر مداخيل إضافية للخزينة"، ثم إنه يساعد في "سدّ العجز التجاري" مع معظم البلدان.
وفي الحالتين الفرضية مغلوطة. رفع التعرفة يرفع الأسعار، وبالتالي يؤدي إلى هبوط الاستيراد واستطراداً إلى خفض العائدات.
ثم إن هناك بلداناً تربطها علاقات تجارية كبيرة (أكثر من 400 مليار دولار سنوياً) مثل كندا والمكسيك اللتين لا تفرضان أي رسوم على معظم السلع الأميركية المستوردة، ومع ذلك تتمتع كلتاهما بفائض تجاري مع أميركا.
ويذكر أن البلدين تربطهما اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة تنصّ على خفض أو شطب رسوم الاستيراد (اتفاقية نافتا 1994 واتفاقية ترامب مع الجارين في يناير/ كانون الثاني 2020). لكن هذا صار من التاريخ، فالحرب حلّت مكان التوافق.
كذلك المعروف أن ترامب منذ زمن "يحنّ إلى أميركا التي كانت في أواخر القرن 19، تعول على هذه الرسوم بدلاً من ضريبة الدخل التي كان غير معمول بها في ذلك الوقت".
وأثناء رئاسته الأولى لوّح بهذا الخيار أكثر من مرة وفرضه، ولو جزئياً، على الحديد المستورد، بذريعة أن مثل هذا الإجراء من شأنه تعزيز صناعة الحديد المحلية.
لكن التعرفة لم تساعد آنذاك على تحقيق الغرض. وبالرغم من ذلك ما زال يصرّ على هذه المقاربة التي تعذّر عليه تسويقها لكثرة ما تحمله من تناقضات وهشاشة في حيثياتها ووعودها.
عائدات التعرفة لا يركن إليها كمصدر تمويل في الاقتصاديات المعاصرة التي تقوم على المنافسة وتوسيع أسواق الاستيراد والتصدير، خاصة أن معظمها يتعامل بالدولار وبما يعزز وضعه كعملة أساسية في التجارة الدولية والعمل بقواعدها السارية.
الخروج عنها بطريقة الصدمات الكهربائية، ينذر بانكماش الاقتصاد وانزلاقه إلى حالة الركود الذي قفزت نسبة احتمالاته من 50 إلى 60%، بحسب تقديرات جه بي مورغان، أكبر المصارف الأميركية.
كذلك ينذر بانحسار النمو المرجح أن يكون في أضعف حالاته، 1% وفق المؤسسة المالية الشهيرة غولدمان ساكس.
نفس التوقعات تنطق بها الاستطلاعات على اختلافها والتي عكست ردة فعل سلبية ضد الرسوم، بين 52 و54%، كما أنها ضد سياسة الإدارة الاقتصادية، لجهة المخاوف من جنون الأسعار وارتفاع منسوب التضخم.
ومن المتوقع أن تشهد المدن الأميركية اليوم السبت تظاهرات ضد هذه السياسات، مع التركيز على رفض الدور الذي يلعبه رجل الأعمال إيلون ماسك والذي أثار نقمة واسعة ضده.
حتى الجمهوريون في الكونغرس اضطروا تحت الضغط إلى التعبير عن عدم الارتياح لتوجه البيت الأبيض.
والخميس، مرّر مجلس الشيوخ، وبتصويت عدد من الجمهوريين إلى جانب الديمقراطيين، مشروعاً لربط رفع الرسوم بموافقة الكونغرس، ولو أن الخطوة محكومة بالسقوط في مجلس النواب الذي لا يخرج جمهوريوه عن الانضباط التام في دعم الرئيس ترامب.
هل من مخرج؟
الرئيس ترامب عاد وأكد الجمعة، بعد إقفال البورصة على هبوط بأكثر من 2200 نقطة (وأول من أمس الخميس أكثر من 1700)، تمسّكه بالرسوم، مجدداً الوعد بمستقبل "مزدهر للأسواق وللبلاد".
ثمة من قرأ في ذلك بداية تمهيد عبر التشدد المسبق، للتفاوض حول الموضوع إذا ما تواصل النزيف في الأسبوع المقبل.
يستند هذا التوقع إلى أن استراتيجية ترامب تقوم على استبدال منظومة العلاقات التجارية الدولية باتفاقيات وتفاهمات ثنائية وبما يمكّن أميركا من تسييد شروطها، باعتبارها الطرف الأقوى.
وفي المقابل ثمة من يأخذ تشديد الرئيس على المضي بسياسته على محمل الجد، من باب أنه يرى في اللحظة الراهنة فرصة لترجمة طموح قديم وكبير يرتبط باسمه وأنه بالتالي لا يبدو أنه في وارد التراجع، خاصة أن الكونغرس الممسوك من الجمهوريين وبالتحديد في مجلس النواب، لن ينتقل إلى سياسة التصدي للرئيس ترامب، ولو أن بعض رموزه من أمثال السيناتور رون بول يحذر الجمهوريين من خطر موضوع الرسوم الذي "يقضي" عليهم سياسياً لو بقي الرئيس متمسكاً به.
المؤكد أنه من الصعب قراءة الرئيس ترامب الذي يترك خصومه دائماً في دائرة الظن.
والمؤكد أيضاً أن ما يجري ليس أقل من هدية سياسية على طبق من فضة للديمقراطيين،
كما أنّه هدية جيوستراتيجية للصين التي ترى في تفكك علاقات أميركا مع حلفائها وفي النفور الدولي العام الذي تسببت به هذه الحرب فرصة ذهبية، وفق الأوساط المعنية بالشأن الصيني.