تسريبات البيت الأبيض... تاريخ من الإثارة والتشويق تنفرد به الصحافة
في عام 2004 ظهرت مجموعة من الصور التي كشفت عن جريمة تعذيب وانتهاكات داخل سجن أبو غريب التي كانت تديره القوات الأميركية في العراق، وتضمنت الصور التي نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية آنذاك سجناء عُراة مكدسين فوق بعضهم بعضاً وآخرين مكبلين ومغطى الرؤوس مع ربط رقابهم بأقطاب كهربائية. وأجبر التنديد العالمي بالفضيحة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش على تقديم اعتذار علني، وهُدد منصب وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي استقال عام 2006، بينما تظل الفضيحة تلطخ صورة الولايات المتحدة حتى الآن.
فإذا كان ثمة أمر مثير في تاريخ البيت الأبيض فليس ما هو أكثر إثارة من فضائح التسريب، ربما يسبقها قليلاً علاقة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بالمتدربة مونيكا لوينسكي. فمن زلزال "ويكيليكس" التي تمتد آثاره حتى يومنا هذا، مروراً بوثائق وكالة الأمن القومي التي تسببت في إحراج لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما والبريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، وصولاً إلى فضيحة "سيغنال" عندما أُدرج صحافي أميركي بالخطأ ضمن محادثة لمسؤولي البيت الأبيض في شأن الغارات الجوية في اليمن الشهر الجاري، وهناك كثير من التسريبات التي وصمت الإدارات الأميركية المتعاقبة وبعثت بكثير من الشك في مدى كفاءة مسؤولي القوى الأكبر في العالم.
"ويكيليكس" - أسانج
كان زلزال "ويكيليكس" عام 2010 هو الأضخم في التاريخ الأميركي عندما نشرت آلاف الرسائل السرية التي أرسلتها البعثات الدبلوماسية الأميركية حول العالم.
وواصل مؤسس الموقع جوليان أسانج في السنوات اللاحقة نشر مزيد من الوثائق السرية، وواجه اتهامات رسمية بالتآمر مع محللة البيانات لدى الاستخبارات الحربية الأميركية تشيلسي ماننغ للوصول إلى معلومات من أجهزة الكمبيوتر الخاصة بوزارة الدفاع الأميركية.
وإضافة إلى البرقيات الدبلوماسية والوثائق المكتوبة نشر موقع "ويكيليكس" عام 2010 مقطع فيديو مصور من مروحية عسكرية أميركية يظهر قتل مدنيين في العاصمة العراقية بغداد،
وهي الحادثة التي أسفرت عن مقتل مصور وكالة أنباء "رويترز" نمير نور الدين ومساعده سعيد شماغ. وكان الفيديو من بين آلاف الوثائق الأخرى التي كشفت عن مقتل نحو 66 ألف مدني خلال حرب العراق.
ولم يكن العالم العربي استثناءً، إذ كشفت الوثائق عن كثير من الأمور المثيرة التي تتعلق بالحكومات والمسؤولين العرب وصورت إحدى الوثائق المنشورة في أوج الاحتجاجات الشعبية في يناير (كانون الثاني) 2011 الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك بأنه "ذئب سياسي يتمسك بالسلطة مهما كان الثمن"،
كما سردت وثيقة تم نشرها في ديسمبر (كانون الأول) 2010 الفساد المستشري في تونس مع سيطرة عائلة الرئيس زين العابدين بن علي على جميع مفاصل الدولة، وتناولت برقيات رسمية نشرها "ويكيليكس" تقييماً وتحليلاً لشخصية القذافي،
وحملت أخرى تحذيراً من بوادر كارثة نووية كادت تقع عام 2009 على خلفية تأجيل القذافي إعادة مواد نووية مشعة من مفاعل تاجوراء الليبي إلى روسيا.
وقد اعتقد أسانج أن التسريبات كانت بمثابة الوقود الذي أشعل موجة الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي في الأشهر والأسابيع التالية.
وثائق الأمن القومي - سنودن
وفي عام 2013 لمع اسم آخر في عالم التسريبات الأميركية، إذ كان الموظف السابق لدى وكالة الأمن القومي الأميركي إدوارد سنودن بطلاً لتسريبات تسبب في توتر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بعدما كشف النقاب عن وثائق تظهر تجسس واشنطن على كثير من زعماء العالم، بما في ذلك المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وساسة ألمان.
ففي يونيو (حزيران) 2013 سرب سنودن لصحيفتي "واشنطن بوست" الأميركية و"غارديان" البريطانية عدداً من المواد السرية حول برامج المراقبة لأجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية.
وكشفت الوثائق التي سربها سنودن عن سر لصحافيين في اجتماعات في هونغ كونغ، ومدى شبكة جمع البيانات العالمية التي بدأت في أعقاب هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001 وكيف كانت الاستخبارات الأميركية تعمل مع الاستخبارات البريطانية ووكالات أخرى لبناء ملفات عن مليارات الأشخاص من دون ترك مجال للشك.
وأظهرت الوثائق أيضاً أن الولايات المتحدة كانت قادرة على التنصت على هواتف قادة دول حليفة وأن وكالة الأمن القومي كانت تستخدم برنامجاً اسمه "بريزم" Prism لجمع بيانات المستخدمين من عمالقة الإنترنت مثل "غوغل" و"فيسبوك"،
بموافقتهم أو من دون موافقتهم. كما كانت وكالة الأمن القومي تجمع بيانات الاتصالات من شركة "فيرايزون" الأميركية وقامت بصورة روتينية بالبحث عن بيانات في شركات عامة ومستشفيات وجامعات.
وكشف سنودن أيضاً عن أن الاستخبارات البريطانية تمكنت بمساعدة وكالة الأمن القومي الأميركية من امتصاص كل الحركة في كابلات الاتصالات العالمية الرئيسة تحت سطح البحر.
والتقطت الاستخبارات البريطانية أيضاً خلسة ملايين الصور من كاميرات الحواسيب الشخصية لأشخاص خلال محادثات أجروها عبر موقع "ياهو".
وأثارت التسريبات غضباً واسعاً في أوساط الاستخبارات الأميركية التي اتهمت سنودن بتدمير برامج مكافحة الإرهاب ومساعدة أعداء واشنطن.
وتحدث مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية جيمس كلابر عن ضرر بالغ جعل عمل وكالة الأمن القومي أصعب، بخاصة أن التسريبات دفعت شركات الإنترنت ومطوري التطبيقات إلى تشفير خدماتهم.
بريد هيلاري كلينتون
ولم تكد إدارة الرئيس باراك أوباما تنتهي من صداع وثائق سنودن حتى تكشفت فضيحة أخرى تتعلق بالبريد الإلكتروني لوزيرة خارجيته السابقة.
ففي ربيع عام 2015 كشفت صحف أميركية عن أن هيلاري كلينتون التي تولت منصب وزيرة الخارجية في الولاية الأولى لأوباما بين 2009 و2013، استخدمت خادم (سيرفر) بريد إلكتروني خاص لمراسلاتها الرسمية، وهو حساب البريد الإلكتروني الذي أنشأته عام 2009 قبل توليها منصبها بفترة وجيزة.
وفي حين يجب عليها استخدام الخادم الرسمي، فإنها اعتادت استخدام حسابها الخاص في المراسلات المهنية والشخصية على مدى السنوات الأربع في منصبها الدبلوماسي الأرفع، فيما لم تستخدم أو تُفعِّل حسابها الرسمي على الخادم الخاص بالحكومة الأميركية.
هذا الكشف تسبب في ضجة واسعة وخضعت وزيرة الخارجية السابقة للتحقيق في شأن الأمر، لا سيما أنها تبادلت مواد حساسة عبر البريد الإلكتروني.
وفي حين خلص مكتب التحقيقات الفيدرالية "أف بي آي" إلى عدم وجود ما يدعو إلى ملاحقة كلينتون في شأن "الإهمال" في التعامل مع مواد حساسة،
لكن ألقت المسألة بظلالها على حملتها الانتخابية قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 وأثارت تساؤلات بين الناخبين في شأن مدى صدقيتها ومنحت منافسها الجمهوري دونالد ترمب فرصة للهجوم عليها.
وعادت رسائل البريد الإلكتروني لكلينتون عام 2020 لتحدث ضجة في العالم العربي بعدما كشفت بعض الرسائل التي تم رفع عنها السرية عن لقاء جمع الناشطة اليمنية توكل كرمان وكلينتون في يناير (كانون الثاني) 2011 قبل بدء الثورة اليمنية ضد نظام عبدالله صالح بقليل، وتلقي منظمتها "صحافيات بلا قيود" تمويلاً من الحكومة الأميركية.
وكشفت رسالة أخرى عن طلب وزيرة الخارجية الأميركية السابقة من قطر تمويل "ثورات الربيع العربي" عبر صندوق مخصص لمؤسسة كلينتون،
وتضمنت رسالة ثانية تفاصيل زيارة كلينتون لقناة "الجزيرة" في مايو (أيار) 2010، واجتماعها مع مدير الشبكة وضاح خنفر، وتلا ذلك لقاء مع أعضاء مجلس إدارة القناة.
وكذلك كشف بريد إلكتروني آخر يعود لسبتمبر (أيلول) 2012 عن تعاون قطر مع جماعة "الإخوان" لإنشاء قناة إعلامية باستثمرات كبيرة بعدما اشتكى التنظيم من ضعف مؤسساته الإعلامية.
أوراق البنتاغون
بالعودة إلى سبعينيات القرن الماضي فقد كشفت وثائق ما يعرف بـ"أوراق البنتاغون" عن أن حكومات أميركية عدة كذبت على الأميركيين في شأن حرب فينام.
ففي مارس (آذار) 1971 قام دانيال إلسبيرغ، وهو محلل عسكري، بتسريب آلاف الوثائق التي تضمنت قرارات القادة الأميركيين في شأن فيتنام بين عامي 1945 و1967.
وأظهرت كيف عمل عدة رؤساء أميركيين، مثل هاري ترومان ودوايت أيزنهاور وجون كينيدي وليندون جونسون على تصعيد الصراع سراً وعلناً.
شكل التسريب ضربة كبيرة للحكومة الأميركية، وكشف عن معلومات سرية حاول المسؤولون إخفاءها لسنوات. كما أدى إلى معركة قانونية بين الحكومة والصحافة، حيث حاولت وزارة العدل منع نشر الوثائق،
لكن المحكمة العليا الأميركية قضت في يونيو (حزيران) 1971 بالسماح لـ"نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" بمواصلة النشر، في قرار تاريخي عزز حرية الصحافة في الولايات المتحدة.
إنجي مجدي
صحافية