الاعتداءات من العراق على دول الجوار.. جماعات عقائدية تتحدى الدولة
يضع الاعتداء الجديد على السعودية بواسطة ثلاث طائرات مسيّرة انطلقت من العراق، صباح أمس الأحد، حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أمام اختبار سياسي وأمني مُبكر بعد ثلاثة أيام من نيلها ثقة البرلمان.
ومع شغور منصب وزيري الدفاع والداخلية في الحكومة الجديدة، وإدارتهما بالوكالة بسبب تعثر التوصل إلى اتفاق سياسي يحسم تسمية الوزيرين، وتوقعات بإرجاء حسمهما إلى ما بعد عطلة عيد الأضحى،
كشف ضابط عراقي كبير في وزارة الدفاع في بغداد، عن وجود خطة لنشر قوات إضافية من الجيش وحرس الحدود في المناطق الحدودية المحاذية للسعودية والكويت، في محافظات الأنبار والمثنى والبصرة ومناطق صحراوية في باديتي النجف وكربلاء، لعرقلة شن أي اعتداءات من العراق على تلك الدول.
وأعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض ثلاث مسيّرات وتدميرها بعد دخولها المجال الجوي للمملكة قادمة من الأجواء العراقية. ووفقاً للمتحدث باسم الوزارة اللواء الركن تركي المالكي، فإن ذلك جرى صباح أمس الأحد،
مؤكداً أن السعودية تحتفظ بـ"حق الرد في الزمان والمكان المناسبين، وستتخذ الإجراءات اللازمة كافة للرد على أي محاولة اعتداء على سيادة المملكة وأمنها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها"، بحسب البيان.
الإعلان السعودي جاء بعد نحو ساعتين من تصريح لافت للناطق العسكري باسم الحكومة العراقية صباح النعمان، نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع)، أكد أن "الخيار الصحيح الذي يتبناه العراق هو عدم السماح بأن يكون العراق ممراً أو منطلقاً للاعتداء على الدول الأخرى، وعدم السماح للدول الأخرى بالاعتداء والتدخل في الشؤون الداخلية".
وبين النعمان أن "الركيزة الاستراتيجية الأولى للحكومة تتمثل في تعزيز الأمن القومي، والالتزام الحازم بحصر السلاح بيد الدولة وإنفاذ سلطة القانون".
ومنذ مطلع مارس/ آذار الماضي، تبنت فصائل عراقية مسلحة حليفة لإيران عشرات الهجمات ضد ما تقول إنها "أهداف أميركية" في دول الجوار، وتحديداً الكويت والسعودية والأردن وسورية، عبر بيانات أصدرتها جماعة "تنسيقية المقاومة"، المظلة الجامعة لعدة فصائل مسلحة، و"سرايا أولياء الدم"
وبثت مشاهد لعمليات إطلاق طائرات مسيّرة من طراز شاهد 101 الإيرانية، من خلال منصات ووسائل إعلام تابعة لها.
وأصدرت السعودية والكويت وقطر والأردن وسورية والإمارات، إضافة إلى مجلس التعاون الخليجي ودول عربية أخرى، بيانات ومواقف متكررة أدانت تلك الاعتداءات، كما أعلنت البحرين والسعودية والكويت استدعاء سفراء العراق وتسليمهم مذكرات احتجاج على خلفية ذلك.
ويُقدّر مختصون بشؤون الجماعات العراقية المسلحة شنّ ما لا يقل عن 200 اعتداء بطائرات مسيّرة على السعودية والكويت والأردن وسورية خلال أسابيع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران انطلاقاً من الأراضي العراقية، طاولت منشآت عسكرية ومدنية ونفطية مختلفة، وسط تكهنات بأن يكون عدد من الاعتداءات التي طاولت البحرين والإمارات مصدره العراق أيضاً.
في المقابل، تشير تصريحات مسؤولين في إقليم كردستان العراق إلى أن بعض الهجمات التي ما زالت تستهدف مواقع المعارضة الكردية الإيرانية في كويسنجق والسليمانية وسوران، جنوبيّ الإقليم وشماليّه، قادمة من داخل العراق، في إشارة إلى أنها من تنفيذ الفصائل العراقية المسلحة التي تنتشر على تخوم الحدود الإدارية لإقليم كردستان ضمن محافظات كركوك ونينوى وديالى.
ونددت قوى وشخصيات سياسية عراقية بالاعتداء، أبرزها تحالف السيادة، أكبر القوى العربية السنية في البلاد، واعتبرت أن الهجوم الذي تزامن مع استقبال الحجاج "اعتداء مدان ومرفوض يتنافى مع القيم الدينية والأعراف الإنسانية والقوانين الدولية".
وأكد التحالف في البيان أن "هذا الاعتداء يأتي بالتزامن مع بداية تشكيل الحكومة الجديدة، الأمر الذي يستدعي موقفاً وطنياً حازماً يعكس مسؤولية الدولة في فرض الأمن، ومنع أي جهات خارجة عن القانون من الزجّ بالعراق في صراعات إقليمية أو استغلال أراضيه للإضرار بدول الجوار".
واعتبر النائب في البرلمان العراقي ظافر العاني الهجوم من داخل العراق على مواقع سعودية بأنه "ليس حدثاً عابراً، بل إحراج متعمد واختبار مبكر لحكومة الزيدي"
مضيفاً في بيان له أن أول وعود حكومة الزيدي كانت "فتح صفحة جديدة مع دول الخليج العربي"، وهو ما اعتبره العاني إحراجاً للحكومة، كما أنه "اختبار لأن المجتمع الدولي سيراقب قدرتها على فرض سلطة الدولة وكبح المليشيات".
خطة لنشر قوات إضافية قرب الحدود
مسؤول عراقي بارز في مستشارية الأمن القومي في بغداد، قال إن بلاده سبق أن طالبت دول الجوار بأيّ أدلة أو براهين حول انطلاق الهجمات بالمسيّرات من أراض عراقية، لكنها لم تتلق رداً لغاية الآن.
وأضاف أن "العراق يرفض بشدة أي اعتداء على السعودية أو أي دولة من دول الجوار والمحيط العراقي القريب من خلال العراق، والحكومة، السابقة والجديدة، تعمل بشكل جدي كبير في فرض القانون وحصر السلاح والقرار العسكري والأمني بيدها".
فيما أكد مصدر عسكري عراقي وجود خطة لنشر قوات إضافية من الجيش وحرس الحدود العراقي بمحاذاة الحدود مع السعودية والكويت، ضمن إجراءات للحكومة تهدف إلى ملء الفراغات ومنع أي هجمات أو أنشطة مسلحة.
إفرازات العدوان على إيران؟
لكن الخبير الأمني العراقي والضابط المتقاعد بوزارة الداخلية أحمد العبيدي قال إن "جماعات عقائدية متشددة باتت تتشكل في جسد الفصائل المسلحة، بوصفها أحد إفرازات العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران ومقتل المرشد علي خامنئي".
العبيدي أوضح أن هذه الجماعات "لا تعترف بأي توجيهات سياسية أو أوامر حكومية، وتتحرك ضمن منطلقات عقائدية، بتوصيف الولايات المتحدة وإسرائيل عدواً مطلقاً"
متحدثاً عن "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" بوصفهما أكثر جماعتين عقائديتين في العراق، وتوجه إليهما اتهامات تنفيذ الهجمات بالطائرات المسيرة، وستواجه الحكومة صعوبة بالغة في محاولات اخضاعهما للقرار الوطني العراقي.
ولم يستبعد العبيدي من أن يتسبب الهجوم بتداعيات سياسية وأمنية بين العراق والسعودية، خاصة في حال تكراره، وهو ما اعتبره "دليلاً على عدم اكتراث الفصائل بمصالح العراق".
تشظ عقائدي مسلح
واعتبر الخبير بالعلاقات العراقية الإيرانية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الموصل فراس إلياس أن استمرار الهجمات "يكشف أن العراق دخل فعلياً في مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد وجود فصائل مسلحة خارج السيطرة"
مضيفاً أن "ما يجري اليوم يعكس تحوّلاً تدريجياً في طبيعة هذه الجماعات، من فصائل مرتبطة بسياقات سياسية وأمنية محددة إلى شبكات عقائدية – عسكرية إقليمية تمتلك هامشاً متزايداً من الاستقلال عن الدولة، وأحياناً حتى عن القيادات التقليدية التي يُفترض أنها تضبط سلوكها".
ويتابع إلياس أن "المشكلة الأساسية هنا أن جزءاً من هذه الفصائل لم يعد ينظر إلى الدولة العراقية باعتبارها مرجعية نهائية للقرار الأمني أو العسكري، بل باعتبارها (ساحة) أو (غطاء) أو (إطاراً وظيفياً) يمكن العمل داخله بما يخدم مشروعاً عقائدياً أو إقليمياً أوسع. وهذا ما يفسر لماذا تستمر بعض العمليات رغم وجود تفاهمات سياسية داخلية، أو رسائل إيرانية بالتهدئة، أو حتى ضغوط حكومية مباشرة".
وحذر من أن "الأخطر من ذلك هو أن البيئة الحالية بدأت تنتج ما يمكن تسميته بالتشظي العقائدي المسلح، أي ظهور مجموعات أصغر غير واضحة الارتباط والهيكلية (مثل أولياء الدم وغيرها)، وأكثر تشدداً وأقل قابلية للضبط، تؤمن بفكرة المقاومة الدائمة أكثر من إيمانها بفكرة الدولة أو التوازنات السياسية.
وهذه الجماعات عادةً ترى أن أي تهدئة هي تنازل، وأن أي محاولة لحصر السلاح هي استهداف للعقيدة وليس مجرد إجراء تنظيمي للدولة".
وأشار الخبير العراقي إلى أن "بعض الهجمات الأخيرة تمكن قراءتها بوصفها رسائل مزدوجة. الأولى موجهة إلى الخارج لتأكيد أن هذه الجماعات لا تزال قادرة على فتح جبهات متعددة، والثانية موجهة إلى الداخل العراقي نفسه، ومفادها أن قرار الحرب والسلم لم يعد مركزياً بالكامل بيد الحكومة أو حتى بيد بعض القيادات التقليدية للفصائل".
واعتبر أن "خطورة المرحلة المقبلة تكمن في أن مشروع (حصر السلاح بيد الدولة) إذا انتقل من المستوى السياسي والإعلامي إلى المستوى التنفيذي الحقيقي، فإن العراق قد يواجه أحد أكثر الاختبارات الأمنية حساسية منذ سنوات طويلة، خصوصاً إذا شعرت هذه الجماعات أن هناك محاولة فعلية لتفكيك بنيتها العسكرية أو الاقتصادية أو الأمنية".
ورجح إلياس أن تلجأ الحكومة العراقية إلى "نموذج الاحتواء التدريجي الصلب، بدلاً من مواجهة شاملة ومباشرة مع الفصائل، لأن كلفة هذا الخيار مرتفعة جداً سياسياً وأمنياً ومجتمعياً. لذلك قد تتجه الدولة إلى تقليص الغطاء السياسي، وإعادة هيكلة البيئة القانونية والأمنية، والاستفادة من أي غطاء إقليمي أو دولي داعم لهذا المسار،
ومع ذلك، فإن نجاح هذا الخيار يبقى مرتبطاً بعاملين حاسمين، الأول وجود توافق شيعي داخلي على أن بقاء السلاح المنفلت أصبح تهديداً لبنية النظام نفسه، وليس فقط لعلاقات العراق الخارجية، والثاني هو قدرة الحكومة على تقديم بديل سياسي وأمني واقتصادي يمنع تحول هذه الجماعات إلى بيئات تمرد طويلة الأمد".
وختم بالقول إن الهجمات الأخيرة على السعودية تطرح سؤالاً جوهرياً: "من يحتكر تعريف الأمن والشرعية داخل العراق؟ الدولة أم الجماعات العقائدية المسلحة؟".
عثمان المختار
صحافي عراقي