"كيفية تسويق الإبادة": كتاب يفكك تواطؤ الإعلام الأميركي في حرب غزة
في مقال مطوّل للناقد الإعلامي آدم جونسون نشره موقع ذي إنترسبت الإخباري، بالتزامن مع صدور كتابه "كيفية تسويق الإبادة الجماعية: تواطؤ وسائل الإعلام في تدمير غزّة" (How to Sell a Genocide The Media’s Complicity in the Destruction of Gaza)، عرض أبرز خلاصات دراسته الإحصائية الموسعة عن تغطية الإعلام الأميركي حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة،
وأكدّ أن هذه التغطية كانت "أحادية الجانب، وعنصرية، ومجرّدة من الإنسانية"، بل وانزلقت، في أحيان كثيرة، إلى "التحريض الصريح".
واعتمد جونسون في كتابه، الصادر في إبريل/نيسان الماضي عن دار بلوتو برس البريطانية بتقديم نورا عريقات، على تحليل أكثر من 12 ألف مادة منشورة في صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، ومواقع "سي أن أن" و"بوليتيكو"، و"أكسيوس"، و"يو إس إيه توداي"
إضافة إلى وكالة أسوشييتد برس، إلى جانب تحليل خمسة آلاف تقرير تلفزيوني بُثّت على شبكتَي سي أن أن وإم إس أن بي سي.
وركّز الكاتب على وسائل الإعلام الأميركية ذات التوجهات اليسارية الوسطية، باعتبارها الأكثر تأثيراً في إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في السنة الأولى من العدوان الإسرائيلي على غزّة، مع اهتمام خاص بالأشهر الأولى للحرب، حين رسّخت إسرائيل روايتها التي تبرّر الإبادة الجماعية.
وخلص جونسون، استناداً إلى نتائج إحصائية "حاسمة وقابلة للقياس"، إلى أنّ الإعلام الأميركي تبنّى تغطية منحازة بصورة منهجية ضدّ الفلسطينيين.
"حق الدفاع عن النفس" امتياز حصري لإسرائيل
في ما يتعلق بمصطلح "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس"، أظهر التحليل أن الإعلام الأميركي استخدمت هذا التبرير بصورة شبه حصرية لإسرائيل. ففي الصحافة المطبوعة،
وردت الإشارة إلى "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" 99 مرة في "نيويورك تايمز"، و54 مرّة في "واشنطن بوست"، و63 مرّة في "أسوشييتد برس"، و74 مرة في "بوليتيكو"، و24 مرة في "أكسيوس"، و27 مرة في "يو إس إيه توداي"،
مقابل ذكر هذا "الحق" للفلسطينيين مرّة واحدة فقط في "نيويورك تايمز"، ومرّة في "سي أن أن"، ومرّتين فقط في "يو إس إيه توداي".
أما على شبكتي سي أن أن وإم إس أن بي سي، فورد الحديث عن "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" 755 مرّة، مقابل ثماني مرّات فقط للفلسطينيين.
التشكيك بالضحايا
أوضح الكاتب أيضاً أنّ الإعلام الأميركي كرّر بصورة مكثفة توصيف وزارة الصحة في غزّة بأنها "تابعة لحماس" أو "تديرها حماس"، في محاولة للتشكيك بأعداد الضحايا الفلسطينيين.
ووفق الدراسة، استخدمت "سي أن أن" هذا الوصف أكثر من 270 مرّة، بينما استخدمته "إم إس أن بي سي" نحو 150 مرة خلال الأشهر الأولى للحرب، مع تصاعد ملحوظ بعد قصف مستشفى الأهلي العربي في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
"الدروع البشرية" مصطلح لخدمة الرواية الإسرائيلية
تناول الكتاب الاستخدام المكثف لمصطلح "الدروع البشرية"، وأشار إلى أن الإعلام الأميركي استخدمه بصورة شبه حصرية ضمن الرواية الإسرائيلية.
ووفق الأرقام التي نشرها جونسون، استُخدم المصطلح 150 مرّة في "نيويورك تايمز"، و56 مرة في "واشنطن بوست"، و22 مرة في "بوليتيكو"، وثلاث مرّات في "أكسيوس"، إضافة إلى 438 مرّة على "سي أن أن" و450 مرّة على "إم إس أن بي سي"،
في سياق الحديث عن الفلسطينيين بوصفهم "دروعاً بشرية". في المقابل، لم يرصد التحليل أي استخدام للمصطلح في تغطية حالات موثقة لاستخدام الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين دروعاً بشرية، باستثناء خمس إشارات فقط في "واشنطن بوست".
لغة عاطفية انتقائية
في فصل آخر، ركّز جونسون على اللغة العاطفية المستخدمة في التغطية الإعلامية، وأوضح أن كلمات مثل "مجزرة" و"ذبح" و"وحشي" و"همجي" استُخدمت بصورة تكاد تكون حصرية لوصف القتلى الإسرائيليين.
ففي "سي أن أن"، استُخدمت كلمة "مجزرة" 225 مرة للإسرائيليين مقابل 16 مرّة فقط للفلسطينيين، بينما استُخدمت كلمة "ذبح" 79 مرة للإسرائيليين مقابل مرتين فقط للفلسطينيين.
أما على "إم إس أن بي سي"، فقد استُخدمت كلمة "مجزرة" 177 مرة للإسرائيليين مقابل ثماني مرّات للفلسطينيين، وكلمة "ذبح" 102 مرة مقابل أربع مرات فقط.
وفي الصحافة المطبوعة، بدت الفجوة أكثر وضوحاً، إذ استخدمت "نيويورك تايمز" كلمة "مجزرة" 124 مرة للإسرائيليين مقابل صفر للفلسطينيين،
فيما استخدمت "واشنطن بوست" الكلمة 50 مرّة للإسرائيليين مقابل صفر أيضاً للفلسطينيين. كذلك استخدمت "أسوشييتد برس" كلمة "مجزرة" 80 مرّة للإسرائيليين، و"يو إس إيه توداي" 33 مرّة، من دون أي استخدام مماثل لوصف المجازر بحق الفلسطينيين.
ازدواجية المعايير في الإعلام الأميركي
رصد جونسون أيضاً تفاوتاً صارخاً في تغطية ضحايا الحرب في غزّة مقارنة بأوكرانيا.
ففي أول 30 يوماً من الحربَين، استخدمت شبكتا "سي أن أن" و"إم إس أن بي سي" مصطلحَي "إبادة جماعية" و"جريمة حرب" 157 مرّة و774 مرّة على التوالي في تغطية أوكرانيا، مقابل خمس مرّات و57 مرّة فقط في تغطية غزّة على "سي أن أن"، وسبع مرّات و35 مرّة على "إم إس أن بي سي". أما في تغطية مقتل الأطفال،
فأظهرت الدراسة أن وسائل الإعلام الأميركية تحدثت عن مقتل 262 طفلاً أوكرانياً في أكثر من 4223 إشارة إعلامية، بينما حظي قتل أكثر من عشرة آلاف طفل فلسطيني خلال أول مائة يوم من الحرب بـ3632 إشارة فقط.
كما أشار جونسون إلى أن قتل الصحافيين الفلسطينيين لم يحظَ بتغطية تتناسب مع حجم الخسائر، إذ تحدثت "سي أن أن" و"إم إس أن بي سي" عن مقتل ثمانية صحافيين أوكرانيين في 196 إشارة إعلامية، مقابل 198 إشارة فقط لمقتل 77 صحافياً فلسطينياً خلال الفترة نفسها.
هند رجب في الظل
في أحد أكثر الأمثلة دلالة، قارن جونسون حجم التغطية الإعلامية التي حظيت بها رئيسة جامعة هارفارد السابقة كلودين غاي بتغطية قتل إسرائيل الطفلة الفلسطينية هند رجب.
ووفق الدراسة، نشرت "نيويورك تايمز" 79 مادة عن كلودين غاي مقابل مادتَين فقط عن هند رجب، فيما نشرت "واشنطن بوست" 23 مادة عن غاي مقابل مادتَين عن الطفلة الفلسطينية،
بينما لم تنشر "بوليتيكو" أو "أكسيوس" أو "يو إس إيه توداي" أي مادّة عن هند رجب، مقابل عشرات المواد عن غاي. وعلى التلفزيون، تحدثت "سي أن أن" عن كلودين غاي 409 مرّات مقابل 29 مرّة فقط عن هند رجب،
بينما لم تذكر "إم إس أن بي سي" الطفلة الفلسطينية إطلاقاً مقابل 210 إشارات إلى غاي.
معاداة السامية تتصدر والإسلاموفوبيا شبه غائبة
كما قارن جونسون بين التغطية الإعلامية لقضية معاداة السامية والإسلاموفوبيا داخل الجامعات الأميركية، موضحاً أن وسائل الإعلام ركزت بصورة شبه كاملة على معاداة السامية، مقابل اهتمام ضئيل بالإسلاموفوبيا.
ففي الأشهر الستة الأولى من الحرب، وردت كلمة "معاداة السامية" 1385 مرّة في التغطية الإعلامية التي شملتها الدراسة، مقابل 22 مرّة فقط للإسلاموفوبيا،
كما كانت العناوين الصحافية أكثر ميلاً بـ31 مرّة للتركيز حصراً على معاداة السامية مقارنة بالإسلاموفوبيا.