الرياضة في اليمن.. هل تُرمّم ما أفسدته السياسة؟
هل يمكن للرياضة أن تُصلح بعض ما أفسدته السياسة؟
ربما، أو على الأقل أن تفتح نوافذ أُغلقت طويلًا، وتخفف حدة الانقسام الذي صنعته سنوات الصراع السياسي والعسكري.
فوصول فريق نادي التلال إلى صنعاء، وما سبقه من نشاط رياضي غير مسبوق في حضرموت، إضافة إلى الحراك الرياضي والجماهيري الذي تشهده مدينة إب منذ يومين، كلها إشارات تبدو أكبر من مجرد مبادرات أو فعاليات رياضية بلا هدف.
ثمة ما يوحي بأن الرياضة بدأت تُعامل باعتبارها مساحة آمنة نسبيًا لإعادة ترميم الحد الأدنى من الشعور الوطني المشترك، بعد أن فشلت السياسة مرارًا في إنتاج هذا المعنى.
فالرياضة، بخلاف السياسة، لا تبدأ عادةً بحوارات تحركها مواقف الأطراف بقدر ما تبدأ من المنافسة والمتعة والانفعال الجماعي وتهيئة النفوس للتفاهم.
والأندية القادمة من مناطق الصراع تستطيع أن تحشد جماهير من أطراف مختلفة تجلس في مدرج واحد، وتهتف للعبة نفسها، دون الحاجة إلى مواقف سياسية مسبقة.
ولهذا كانت الرياضة، تاريخيًا، إحدى أدوات "القوة الناعمة" القادرة على تخفيف الاحتقان وإعادة فتح قنوات التواصل بين المجتمعات المنقسمة والأطراف المتصارعة.
ومن هنا يمكن فهم الحراك الرياضي الجاري بوصفه جزءًا من مقاربة أوسع تحاول السعودية من خلالها الدفع نحو تهدئة اجتماعية ونفسية تمهّد —-ولو تدريجيًا - لمسار سياسي أقل توترًا.
فإعادة الحياة إلى الملاعب، وتحريك البطولات، وتشجيع التنقل بين المدن، كلها رسائل غير مباشرة تقول إن المجال العام يمكن أن يعود للعمل خارج منطق الحرب والمتاريس.
وهي خطوة ذكية نسبيًا، لأن السياسة في اليمن وصلت إلى درجة من الاستقطاب جعلت أي حوار مباشر محمّلًا بالشكوك والعداء، بينما تستطيع الرياضة أن تؤدي وظيفة "كسر الجليد"، وإعادة تطبيع فكرة اللقاء والتنقل بين مناطق كانت، حتى وقت قريب، تعيش قطيعة نفسية وجغرافية شبه كاملة.
لكن، في المقابل، لا ينبغي المبالغة أيضًا في قدرة الرياضة وحدها على صناعة السلام. فهي تستطيع تخفيف الاحتقان وخلق لحظات جامعة، لكنها لا تعالج جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
بمعنى آخر: قد تكون الرياضة مدخلًا نفسيًا واجتماعيًا للحل، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الحل نفسه.
ومع ذلك، ففي بلد أنهكته الحرب كاليمن، قد تصبح مباراة كرة قدم، أو سفر فريق من مدينة إلى أخرى، حدثًا يحمل من الدلالات السياسية والاجتماعية أكثر مما تحمله أحيانًا خطابات السياسيين الذين أوصلوا البلد إلى هذا الوضع الخطير.
فيصل الدودحي