اليمن والزمن الجغرافي.. بين الجبر والاختيار
ما الفائدة التي نجنيها من البحث والتأمل في تاريخ اليمن القديم؟
بعبارة أخرى: هل ينبغي لأحداث وأخبار الماضي البعيد أن تعني لنا شيئاً في زماننا؟
الجواب نعم.
والسبب أن اليمن القديم، كموقع وأرض، لا يختلف جوهرياً عن اليمن الحالي.
المسرح الجغرافي الذي عاش فيه الأسلاف عنصر ثابت.
ومن هذه الناحية، فإن يمن سبأ وحمير هو نفس اليمن الذي نعيش فيه الآن، مع زيادة في المساحة أو نقصان.
الأرض التي احتضنت القصص والأحداث والأسماء المسجلة في النقوش، هي ذات الأرض التي يحترب فيها اليمنيون اليوم؛
الهضبة والجبل والسهل والصحراء والشاطىء والخصب والقاحل والبارد والحار والأخضر واليابس.
اليمن الطبيعي الخام ذاته، النجود والتهائم، وما يترتب على ذلك من تنوع في الأمزجة والميول والتفضيلات والأجسام والألوان.
التغير المحتمل، بحسب دراسات، في المناخ وفي الموارد المائية وفي مكونات وخصائص الجغرافيا النباتية والحيوانية، ربما حدث قبل ما يقرب من سبعة إلى عشرة آلاف عام.
عدا ذلك، لم يتزحزح اليمن قيد أنملة عن موقعه في الخرائط، لم يتغير تغيراً عميقاً في تركيبته الطبيعية، لم يتفجر ينابيعاً وأنهاراً.
لا فائض من ثروات دفينة تنقل أهله وتبدل مصيرهم من النقيض إلى النقيض.
المكان - وقد يسميه بروديل "الزمن الجغرافي" أو تاريخ الزمن الطويل- مرجعية معتبرة للفهم والاستدلال؛ كما أن دراسة الجسد مرجعية معتبرة لفهم النفس التي تسكنه والاستدلال على أحوالها من أحواله.
إذا تحدثت عن حضارة، فأنت بالضرورة تتحدث عن موقع (جغرافيا وظروف طبيعية)، وعن مجتمع واقتصاد وفكر.
وهذا لا يعني أنني أؤمن بالحتم الطبيعي (البيئي أو الجغرافي) المطلق الذي ينفي كل تغير وكل حرية وكل اختيار.
أؤمن بالإمكان المتعدد للأقاليم والبيئات الطبيعية بدلاً عن الإمكان الأحادي.
في المقابل، لست ممن ينكرون القيود والحدود والشروط والتأثيرات النمطية الدائمة وشبه الدائمة التي يفرضها المكان، الموقع، التضاريس، المناخ.
أقف في منطقة وسط بين الجبر والاختيار.
الإنسان ليس سلبياً أمام تأثيرات وأحكام الطبيعة، وإنما طرف فاعل في علاقة تأثير متبادل.
ولهذا نجد في تاريخ اليمن، قديمه وحديثه، أنماطاً وسوابق تدل على إمكانات متناقضة ومتعددة:
فهناك دلائل على الوحدة السياسية، ودلائل على التمزق، وعلى الدولة واللادولة، وعلى السلم والتعاون، وعلى التخاصم والحرب، على الرخاء والشدة،
دلائل يكون فيها الدين عامل جمع وتوحيد، ودلائل يكون فيها الدين عامل تجزئة وتقسيم، دلائل على المركزية وعلى الاتحادية، وعلى مستويات تنظيم تتنوع بين الفصيلة والبطن والقبيلة والشعب والمقولة والمملكة.
هناك الملك الكاهن (المكرب)، والملك السياسي (التبع)، والقيل والأمير والوالي والسلطان والإمام والرئيس الجمهوري.
ومن ثمّ، لا نستطيع أن ننسب إلى اليمن سمة عليا واحدة دائمة، أو مظهراً واحداً حتمياً، أو نمطاً واحداً متصلاً في التنظيم الاجتماعي أو في السياسة والادارة والحكم، أو العبادة أو الآلهة، ثم نعممه على ألفي عام!
هذا بالضبط هو ما جعلني أكتفي بالقول أن الجغرافيا هي المسرح لا المسرحية؛ المسرح إطار له حدوده وإمكانياته الداخلية، الثابت منها والمتغير، أما النص والأداء فمتروكان لحكمة وإرادة الإنسان العاقل الفاعل.
محمد العلائي