"بيغ بن" عدن... إرث بريطاني عمره 135 سنة في اليمن
نشرت بريطانيا حين صارت المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، ثقافتها ولغتها وإرثها الحضاري، وكانت مدينة عدن في جنوب اليمن إحدى أهم مستعمراتها في الشرق، وساعة "بيغ بن" الصغرى تشهد على ذلك.
حظيت مدينة عدن، جنوبي اليمن، باهتمام بالغ لدى بريطانيا خلال فترة استعمارها البلاد، واستنسخت فيها شكل وتصميم ساعة "بيغ بن" الشهيرة التي تعتبر أحد معالم العاصمة لندن، وشيّدت بعد حريق قصر وستيمنستر عام 1834، ودُشنّت في 31 مايو/ أيار 1859.
وتبقى ساعة بيغ بن الصغرى في عدن حتى اليوم واحدة من أهم المعالم الباقية التي تشهد على فترة الاحتلال البريطاني للمدينة الذي استمر 129 سنة، من يناير/ كانون الثاني 1839 حتى 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967.
يتأمل عجوز يمني يناهز السبعين، ويرتدي ثياباً عدنية تقليدية، عقارب ساعة بيغ بن الصغرى في عدن، كأنه يسرد تاريخ المدينة التي كانت مطمعاً للغزاة،
وباتت اليوم تعاني من جروح لا تندمل، ويفكر في أن هذه الساعة شهدت على عصر الاحتلال البريطاني لعدن، وعلى 59 سنة تلت جلاء البريطانيين عن اليمن.
تُشتهر الساعة بأسماء بيغ بن الصغرى، وبيغ بن العرب، وبيغ بن الشرق، وساعة عدن، وتقع على جبل البنجسار، في مديرية التواهي،
علماً أن البنجسار كلمة هندية أطلقت على المنطقة التي كان يسكنها عمال النظافة الهنود، وتتألف من كلمتين "بنجي" التي تعني عمال النظافة، و"سار" أو "سير"، ومعناها سيد أو مشرف.
ويطل جبل البنجسار الذي يحتضن الساعة على ميناء عدن التجاري وأحياء منطقة التواهي من أربع جهات، ما يسمح بمشاهدة الساعة بوضوح من سفن الميناء.
أما برج الساعة فيُطل على عدد من المواقع والمعالم الشهيرة، فهو يقع على رصيف أمير ويلز، وضريح الشيخ أحمد، وفندق الهلال.
وقد اختيرت منطقة التواهي موقعاً لبناء الساعة، لأنها أهم المناطق التي تمركز فيها البريطانيون خلال احتلالهم عدن، إذ أرادوا تخليد وجودهم في المدينة.
وبُنيت الساعة عام 1890، باعتبارها ثاني أكبر ساعة في العالم حينها، على الطراز الفيكتوري البريطاني القديم بنمط يشبه ساعة بيغ بن الأصلية في لندن، وصممتها مجموعة ضمت أمهر المهندسين البريطانيين
وشارك عمال يمنيون في بنائها باستخدام حجارة ذات لون أسود وإسمنت حجري ممزوج بمادة قوية تخلط بالماء، وهي مستطيلة الشكل، وسقفها أشبه بشكل مثلث متساوي الأضلاع مطلي بمادة القرميد الأحمر يُمثل رأس هرم.
ويبلغ قطر الساعة نحو متر واحد من أربع جهات، وعرضها 1.5 متر، وارتفاعها 22 متراً. وداخلها سلم حديدي ذو سماكة خفيفة وشكل حلزوني يمتد إلى الأعلى.
وأُقيم برج ساعة بيغ بن في عدن لإحياء ذكرى اللواء البريطاني القائد العام للجيش في عدن، أدم جورج فوربس، خلال الفترة بين عامي 1885 و1890.
ووضع مهندسون بريطانيون التصميم كي يشبه ساعة بيغ بن الأصلية في لندن. وكان جرسها يرن على رأس كل ساعة، وتصدر أشعة ضوئية قوية تمتد إلى السفن الراسية في الميناء أو قربها.
وعام 1954 أمضت الملكة إليزابيث الثانية أياماً في مدينة عدن، تحديداً في فندق كريسنت بمنطقة التواهي، ثم مددت زيارتها بعدما شعرت بارتياح في عدن، لأنها كانت تسمع دقات كل صباح من شرفات نوافذ جناحها في الفندق.
وفي السنوات التالية أُهملت الساعة ما عرضها لعوامل التعرية والزمن التي أوقفت عملها في منتصف الستينيات من القرن الماضي. بعدها أعادت قيادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية صيانتها عام 1983،
وعملت كأن عقاربها تتحرك على إيقاع الاستقرار السياسي في عدن، إذ توقفت بعد الحرب الأهلية عام 1986 حين قُصفت من البحر، ثم نهبت معداتها فبقيت مجرد أطلال قديمة في أحد جبال مدينة عدن.
ورغم الإهمال الحكومي للساعة اهتم البريطانيون بها، وزارها عام 2002 السفير البريطاني في اليمن في مناسبة الذكرى الخمسين لتولي الملكة إليزابيث الحكم، وأصلحها مهندسون بريطانيون مجدداً، لكنها لم تعمل طويلاً وتوقفت مجدداً
ثم كرروا صيانتها عام 2012 من خلال شركة ركبت أربعة أوجه جديدة رئيسية للساعة من مادة "فايبر غلاس" أبيض، وأضواء داخلية وعقارب وأداة للتحكم، وطورت الهيكل الخارجي.
ومع بدء الحرب الأخيرة توقفت الساعة مجدداً وتعرضت لتخريب ونهب. وأعادت السلطات المحلية في عدن صيانتها عام 2017 فدارت عقاربها مجدداً.
بنى التاريخ الطويل لساعة بيغ بن الصغرى في عدن علاقة وطيدة مع أجيال متعاقبة من السكان، من بينهم الحاج الستيني سالم زيد الذي يقول "ليست بيغ بن مجرد ساعة وعقارب، هي روح المدينة وهويتها. ولدنا وكبرنا وعيوننا عليها فوق جبل البنجسار.
تذكرنا بأيام كانت فيها عدن منارة للعالم، وهي من شاهدت تحوّلات المدينة في الإنكسارات والأفراح، وتظل رمزاً لصمود المدينة الذي لم تهزه السنوات والحرب".
فخر العزب
صحافي يمني