تخزين البيانات في الحمض النووي: كيف تتحول الشيفرة الرقمية إلى جزيئات
طور باحثون من جامعة ولاية كارولينا الشمالية بالتعاون مع جامعة جونز هوبكنز الأميركية مقاربة جديدة لتخزين البيانات، تعتمد على إدماج الحمض النووي (DNA) داخل رقائق إلكترونية، في محاولة لمعالجة الأزمة المتصاعدة في استيعاب البيانات الرقمية وتخزينها.
يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه كميات المحتوى المنتج يومياً بوتيرة تفوق قدرات البنية التحتية التقليدية، بينما تستهلك مراكز البيانات طاقة ضخمة وتتطلب أنظمة تبريد معقدة، فضلاً عن محدودية عمر وسائط التخزين الحالية.
يعتمد هذا التوجه على خصائص الحمض النووي بوصفه نظاماً طبيعياً بالغ الكفاءة لتخزين المعلومات. فخيوط دقيقة منه تحمل التعليمات الوراثية للكائنات الحية، وتتمتع بقدرة هائلة على الضغط المعلوماتي، إذ يمكن لغرام واحد أن يستوعب مئات البيتابايت من البيانات.
كما أن استقراره الكيميائي يسمح بالحفاظ على المعلومات لفترات طويلة، وهو ما يؤهله ليكون وسيطاً مناسباً للأرشفة بعيدة المدى.
ويعمل الباحثون على نقل هذه الميزة إلى المجال الإلكتروني عبر تطوير رقاقة هجينة تجمع بين المكونات الحيوية والدوائر التقليدية. من الناحية التقنية، تبدأ عملية التخزين بتحويل البيانات الرقمية من شكلها الثنائي (0 و1) إلى شيفرة كيميائية.
يتم ذلك عبر خوارزميات ترميز تربط كل مجموعة من البتات بالقواعد النيتروجينية الأربع في الحمض النووي (A وC وT وG).
بعد ذلك، تتدخل الرقاقة الإلكترونية لإجراء عملية "الكتابة"، إذ تولّد نبضات كهربائية دقيقة تتحكم في تفاعلات كيميائية على سطح نانوي، ما يؤدي إلى تركيب سلاسل الحمض النووي اصطناعية وفق التسلسل المطلوب.
كما تعتمد هذه العملية على مواد بيولوجية مثبتة فوق الشريحة، تعمل بوصفها وسطاً تفاعلياً سريع الاستجابة للإشارات الكهربائية، ما يلغي الحاجة إلى المختبرات الكيميائية التقليدية التي كانت تُستخدم سابقاً في تصنيع الحمض النووي.
وبهذا تصبح عملية التخزين أقرب إلى الكتابة الإلكترونية المباشرة، لكن على مستوى جزيئي. أما استرجاع البيانات، فيتم عبر تمرير خيوط الحمض النووي المخزنة داخل الرقاقة عبر مسام نانوية مدمجة في الشريحة.
عند عبور كل قاعدة نيتروجينية، يحدث تغير دقيق في التيار الكهربائي نتيجة اختلاف البنية الجزيئية لكل منها.
وتقوم حساسات دقيقة برصد هذه التغيرات وتحويلها إلى إشارات رقمية، ثم تعيد خوارزميات فك الترميز وترجمتها إلى بيانات مفهومة للحاسوب.
كما تسمح هذه البنية بإدماج عمليتي الكتابة والقراءة داخل نظام إلكتروني واحد، وهو ما يمثل تحولاً عن الأساليب السابقة التي كانت تفصل بين التخزين البيولوجي والمعالجة الرقمية.
ولا يحتاج تخزين البيانات في صورة جزيئات مستقرة إلى طاقة للحفاظ على المعلومات بعد كتابتها، فهي تبقى محفوظة في البنية الكيميائية للحمض النووي.
رغم ذلك، لا تزال سرعة هذه العمليات محدودة مقارنة بوسائط التخزين التقليدية. لذلك يتجه الاستخدام الحالي نحو تخزين البيانات التي لا تحتاج إلى وصول سريع، مثل الأرشيفات طويلة الأمد.