"بقيادة التحالف".. هل تنجح خطوة توحيد القرار العسكري والأمني باليمن؟
عاد ملف توحيد القرارين العسكري والأمني بمناطق الشرعية اليمنية إلى الواجهة مطلع عام 2026، مع الإعلان عن ترتيبات جديدة تقضي بجمع مختلف التشكيلات تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، وبقيادة وإشراف قوات تحالف دعم الشرعية.
وقد قُدمت هذه الخطوة بوصفها مساراً مؤسسياً متدرجاً يبدأ بإعادة الانتشار وإخلاء المعسكرات من داخل المدن، وصولاً إلى دمج القوة البشرية والقيادات والرواتب والسجلات ضمن جهاز موحد يخضع لإدارة مركزية واحدة.
وجاء الدفع بهذا الملف عقب سلسلة اجتماعات رسمية عُقدت في الرياض، قبل أن تُنقل مخرجاتها إلى عدن عبر ترتيبات ميدانية متتابعة، وصولاً إلى طرحه على طاولة أول اجتماع للحكومة برئاسة شائع الزنداني في 19 فبراير 2026.
وخلال الاجتماع، جرى التأكيد على إخراج المعسكرات من عدن وكافة المدن، وإسناد المهام الأمنية إلى الأجهزة المختصة، وربط هذا المسار بتوجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة، بما يعكس توجهاً سياسياً واضحاً نحو إعادة ضبط المشهد الأمني والعسكري.
ويتقاطع هذا التوجه مع حاجتين أساسيتين: الأولى تثبيت الأمن في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة، والثانية رفع جاهزية الجبهات في مواجهة مليشيا الحوثي.
وبذلك طُرح الملف بوصفه “شرط دولة” لا مجرد عملية إعادة ترتيب داخلية، مع التشديد على عدم السماح ببقاء أي وحدات عسكرية أو أمنية خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية خلال المرحلة المقبلة.
من تشكيل اللجنة إلى بدء التنفيذ
في 10 يناير، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تشكيل “اللجنة العسكرية العليا” بقيادة تحالف دعم الشرعية، باعتبارها إطاراً مهنياً يهدف إلى توحيد وتنظيم مختلف القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية.
وربط الإعلان بين عملية الدمج والاستعداد لمرحلة تالية تتطلب إعادة بناء القوات على أسس مؤسسية تشمل القيادة والجاهزية وآليات الانتشار.
وفي 11 يناير، أعاد العليمي طرح المسألة خلال لقاءاته في الرياض، مشيراً إلى نجاح استلام المعسكرات في حضرموت والمهرة كخطوة أولى في مسار حصر السلاح بيد الدولة وتهيئة عودة مؤسساتها للعمل من الداخل.
وبدت الرسالة واضحة بأن عملية الدمج ليست شعاراً سياسياً، بل مساراً عملياً يبدأ بإعادة تنظيم المعسكرات ثم يمتد إلى الهيكل القيادي والموارد البشرية.
وفي 19 فبراير، انتقل الملف من حيز الطرح السياسي إلى مستوى القرار التنفيذي، إذ أكد رئيس الوزراء شائع الزنداني، خلال أول اجتماع للحكومة، أن تنفيذ الخطة سيتم تحت إشراف وزارتي الدفاع والداخلية واللجنة العسكرية العليا، وبقيادة تحالف دعم الشرعية، مع إخراج جميع المعسكرات من عدن وسائر المدن، وإسناد المهام الأمنية إلى الأجهزة المختصة وفق اختصاصاتها القانونية.
عدن كنقطة اختبار
وظلت عدن تمثل الساحة الأكثر حساسية لأي مشروع يقوم على مبدأ “جيش واحد وأمن واحد”؛ نظراً إلى تراكم التشكيلات وتداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القوة داخل المدينة.
لذلك تكرر تأكيد إخلاء المواقع العسكرية من داخل الأحياء السكنية، وإعادة توزيع الانتشار، ومنع تحول المعسكرات إلى أدوات نفوذ سياسي أو بؤر توتر عند كل أزمة.
وفي 12 يناير، تزامن الحديث عن وصول وفد عسكري من التحالف إلى عدن مع معلومات عن ترتيبات أمنية متتابعة وتعزيزات ومعدات في طريقها إلى المدينة.
وقُدمت هذه الخطوات بوصفها جزءاً من الإشراف الميداني على عملية إعادة التنظيم، وفتح مسار عملي لإعادة توزيع القوات وفق خطط موحدة بدلاً من شبكات اتصال متفرقة.
وبحلول 25 يناير، تم الحديث عن تنفيذ نسبة كبيرة من إجراءات إعادة الانتشار في عدن، وإخلاء عدد من المعسكرات، إلى جانب تأسيس “هيئة عمليات مشتركة” لتنسيق العمل الميداني بين وزارتي الدفاع والداخلية؛ في محاولة لإرساء إطار تنسيقي دائم يمنع ازدواجية القرار.
التوحيد كملف شراكة
في 26 يناير، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي مع السفير الأمريكي لدى اليمن ستيفن فاجن، جهود توحيد القوات العسكرية والأمنية، في إشارة إلى أن الملف بات يحظى بمتابعة دولية، ولا يقتصر على الشأن الداخلي فحسب.
وتزامن ذلك مع ربط مسار التوحيد بملفات أمن الحدود والمنافذ البرية والبحرية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب “الأسلحة الإيرانية” إلى مليشيا الحوثي، ما وضع عملية الدمج ضمن إطار تعاون أمني أوسع مع شركاء دوليين.
وفي المقابل، ظهرت داخل المشهد الحكومي تحفظات بشأن قابلية توحيد جميع القوى تحت راية واحدة، خصوصاً في الجنوب، حيث تتوزع التشكيلات بين مرجعيات سياسية وميدانية متعددة، ما يضفي على العملية بعداً سياسياً يتجاوز الجانب التنظيمي البحت.
من جانبه، أعلن اللواء الركن محمد مساعد الأمير، وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والشرطة، عن تقدم ملحوظ في مسار هيكلة القوات العسكرية والأمنية وتوحيد القرارين العسكري والأمني، بإشراف مباشر من المملكة العربية السعودية.
وأوضح الأمير في تصريحات صحفية، أن اللجنة العسكرية العليا شرعت في تنفيذ حزمة إجراءات تنظيمية لإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، شملت إعداد هياكل تنظيمية جديدة ودمج التشكيلات التي تأسست خارج إطار مؤسسات الدولة ضمن هيكل رسمي موحد.
وبذلك يبدو أن ملف توحيد القرار العسكري والأمني انتقل من مستوى الطرح السياسي إلى مسار تنفيذي تدريجي، تحكمه معادلات ميدانية وسياسية معقدة، ويُختبر عملياً في عدن بوصفها النموذج الأكثر حساسية لهذا التحول.
أخطر اختبار
يقول الباحث اليمني نجيب السماوي، إن الدفع بملف توحيد القرار العسكري والأمني تحت قيادة وإشراف تحالف دعم الشرعية يمثل أخطر اختبار سياسي وعسكري للحكومة منذ تشكيل مجلس القيادة،
موضحاً أن وجود التحالف في موقع الإشراف يمنح المسار ثقلاً إقليمياً وضمانة ضغط، لكنه لا يعوض غياب الإرادة الداخلية إذا لم تلتزم جميع التشكيلات بالتنفيذ الكامل دون انتقائية.
وأوضح السماوي ، أن نجاح الخطوة "يتطلب الانتقال من مرحلة إعادة الانتشار وإخلاء بعض المعسكرات إلى دمج فعلي في البنية القيادية والإدارية، بما يشمل توحيد الرواتب والسجلات وهيكلة الألوية وربطها بسلسلة قيادة واحدة تخضع لوزارتي الدفاع والداخلية"
معتبراً أن أي بقاء لمراكز قوة مستقلة سيُبقي القرار الأمني عرضة للازدواجية.
وأشارإلى أن عدن تمثل الاختبار العملي الأهم؛ نظراً إلى تراكم التشكيلات وتداخل الصلاحيات داخل المدينة خلال السنوات الماضية،
مبيناً أن إخراج المعسكرات من داخل الأحياء السكنية ومنع تحولها إلى أدوات نفوذ سياسي "سيكون مؤشراً حقيقياً على جدية المشروع وقدرته على فرض نموذج جيش واحد وأمن واحد".
وأضاف أن توحيد القرار "لا يرتبط فقط بضبط الداخل، بل ينعكس مباشرة على الجبهة في مواجهة مليشيا الحوثي، حيث إن وجود قيادة موحدة يعزز التنسيق العملياتي ويرفع الجاهزية ويغلق الثغرات التي تستغلها الجماعة في حالات الانقسام،
فضلاً عن تحسين صورة الحكومة أمام الشركاء الدوليين في ملف مكافحة الإرهاب وأمن المنافذ".
وأكد أن المسار يحمل فرصة لإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية على أسس مهنية، لكنه في الوقت نفسه محفوف بالمخاطر
"لأن أي استثناءات أو تفاهمات جانبية قد تعيد إنتاج الجيوش الموازية بشكل جديد، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان المشروع سيتحول إلى واقع مؤسسي أم سيبقى عنواناً سياسياً مؤقتاً".