دعوات الهدنة الإنسانية في السودان بلا صدى داخلياً
الرأي الثالث - وكالات
تضغط الولايات المتحدة الأميركية ومجموعة من الدول والمنظمات الدولية، في الوقت الراهن، لفرض هدنة إنسانية في السودان الذي تمزقه الحرب بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع منذ إبريل/ نيسان 2023، وسط أزمة إنسانية طاحنة ومعارك متواصلة وهجمات بالطائرات المسيّرة بصورة شبه يومية.
وفي ظل تحذيرات للأمم المتحدة من أن تصاعد الهجمات على الجسور والطرق وغيرها من البنى التحتية المدنية يعرقل وصول المساعدات الإنسانية ويعرّض المدنيين لمزيد من المخاطر، فإن الضغوط الدولية تشمل إقرار الهدنة الإنسانية في السودان ووقف إطلاق النار والبدء في عملية سياسية مدعومة دولياً.
لكن هذه التحركات تواجه عقبة موافقة والتزام طرفي الحرب، ما يهدد بفشلها كسابقاتها.
والهدنة الإنسانية في السودان تتعلق بما طرحته اللجنة الرباعية، التي تضم السعودية والولايات المتحدة ومصر والإمارات، في 12 سبتمبر/ أيلول 2025، بشأنة خريطة طريق لتسوية الأزمة في السودان، تبدأ بهدنة إنسانية لثلاثة أشهر وتشمل عملية سياسية ومرحلة انتقالية جديدة.
وقد أعلنت "الدعم السريع" بعد ذلك في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي موافقتها على الدخول في الهدنة الإنسانية المقترحة، لكن الجيش رفضها، وواصل الطرفان المعارك.
مقترح الهدنة الإنسانية في السودان
وخلال الأيام الماضية كثف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، تحركاته واتصالاته لحشد الدعم الإقليمي والدولي لفرض الهدنة الإنسانية المقترحة.
وكتب على منصة إكس، أول من أمس الثلاثاء، أنه ناقش مع وزير الدولة النرويجي أندرياس كرافيك، والمبعوث النرويجي للقرن الأفريقي أندري ستيانسن، التعاون في الجهود الرامية إلى تحقيق هدنة إنسانية في السودان، بوصفها خطوة أولى ضرورية نحو سلام دائم في سودان موحد بقيادة مدنية.
كما أعلن أنه ناقش مع الرئيس الكيني وليام روتو أهمية تحقيق هدنة إنسانية في السودان يليها وقف إطلاق نار دائم، مشيراً إلى أنهما شددا على ضرورة أن تتوقف الجهات الخارجية عن تأجيج النزاع في السودان من خلال الدعم العسكري للأطراف المتحاربة.
كما أشار أول من أمس إلى مكالمات "مثمرة" مع نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مضيفاً أنه ناقش معهما المسار السياسي الحاسم في السودان، والنزاع المستمر هناك والمعاناة الإنسانية.
وكان بولس قد ذكر على "إكس"، في الثامن من يونيو/ حزيران الحالي، عقب محادثات بين قوى سياسية سودانية في أديس أبابا، أن الولايات المتحدة تشعر بالفخر للانضمام إلى 12 دولة ومنظمة شريكة في بيان مشترك بشأن المسار السياسي في السودان.
وأضاف أن دفع مسار سياسي شامل بقيادة مدنية يعد عنصراً حاسماً لتحقيق سلام دائم في السودان، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع شركائها حول العالم والجهات السودانية المعنية في الجهود لتأمين هدنة إنسانية ووصول إنساني مستدام.
وشهدت أديس أبابا اجتماعات تشاورية بين مجموعة من القوى السياسية السودانية، يومي الثالث والرابع من يونيو الحالي، بدعوة ورعاية من "الآلية الخماسية" الدولية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة إيغاد (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية) وجامعة الدول العربية، هدفت إلى توحيد القوى المدنية والتحضير لعملية سياسية. لكن خلافات رافقت الاجتماعات، وأفشلت الاتفاق على موقف موحد.
وفي بيان مشترك عقب هذه المحادثات، انتشر على نطاق واسع أول من أمس، أعربت بلجيكا وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي و"إيغاد" وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة عن قلقها العميق إزاء العواقب الإنسانية المدمرة للنزاع المستمر في السودان،
حيث يواجه ملايين الأشخاص النزوح وانعدام الأمن الغذائي الحاد ومحدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية، فيما تتواصل الهجمات على المدنيين والبنية التحتية.
وأكد البيان الحاجة الملحة إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، مضيفاً: "نحن موحدون في اعتقادنا بأنه لا يوجد حل عسكري لهذه الأزمة، وأن أي تسوية مستدامة يجب أن تستند إلى عملية سياسية شاملة تقودها القوى المدنية وتعكس تطلعات الشعب السوداني".
من جانبها، رحبت الإمارات بالبيان المشترك، مؤكدة في بيان، الاثنين الماضي، دعمها الكامل لكافة المساعي الهادفة إلى التوصل لهدنة إنسانية ووقف دائم لإطلاق النار، ووضع حد للمعاناة الإنسانية، بما يضمن حماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية.
من جهة أخرى، دعا التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، الذي يقوده رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، في بيان، أول من أمس الثلاثاء، عقب مشاركته بمحادثات أديس أبابا، الجيش و"الدعم السريع" لقبول مقترح الهدنة الإنسانية في السودان المطروح عليهما من اللجنة الرباعية،
والالتزام بالمطالب المرتبطة بها والسماح بوصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين في كافة مناطق السودان، من دون قيد أو شرط.
ودعا أيضاً إلى البدء فوراً في تنفيذ إجراءات لتهيئة المناخ لذلك، وعلى رأسها إطلاق سراح المعتقلين لأسباب سياسية واجتماعية والمختفين قسراً، وتنظيم عمليات لتبادل إطلاق سراح الأسرى وإبعاد التشكيلات العسكرية المسلحة من المدن الرئيسية، إلى جانب فتح الفضاء المدني، تمهيداً لإطلاق عملية سياسية يقرر خلالها السودانيون مستقبل بلادهم.
وقد أعلنت الكتلة الديمقراطية (أحزاب ومجموعات سياسية) الموالية للجيش السوداني، في بيان، أول من أمس، ترحيبها بالبيان المشترك الصادر عن شركاء السودان الإقليميين والدوليين،
معتبرة أنه يمثل دفعة مهمة لجهود إنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة تفضي إلى انتقال مدني مستدام، يستجيب لتطلعات الشعب السوداني في السلام والاستقرار والديمقراطية.
وأكدت استعدادها للإسهام الإيجابي في أي حوار وطني جاد ومسؤول يهدف إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام الشامل.
لا تعليق من الجيش و"الدعم"
ولم يعلق الجيش السوداني أو الحكومة السودانية على دعوات الهدنة الإنسانية في السودان الجديدة والتحركات التي تجري لإقرارها، لكن الجيش يتخذ موقفاً متشدداً ورافضاً للهدن المؤقتة التي لا تلبي شروطه العسكرية.
ويشترط ضرورة تنفيذ إعلان جدة (11 مايو/ أيار 2023) باعتباره شرطاً أساسياً لأي هدنة، ويتمسك بخروج قوات الدعم السريع من الأعيان المدنية ومنازل المواطنين والمدن قبل أي وقف لإطلاق النار.
ونص إعلان جدة على عدة التزامات، من بينها الالتزام بحماية المدنيين في السودان، إلى جانب تأكيد الالتزام الراسخ بسيادة السودان والحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه.
كذلك لم تعلق "الدعم السريع" من جانبها بصورة فورية على التحركات بشأن الهدنة،
لكن قائد مليشيات الدعم محمد حمدان دقلو (حميدتي) كان قد أعلن في 20 مارس/ آذار الماضي، موافقته على هدنة إنسانية جادة وذات مصداقية، تسمح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين دون عوائق.
ودعا في خطاب بمناسبة عيد الفطر حينها دول اللجنة الرباعية إلى دعم هذا المسار بصورة عملية وفعالة، والضغط من أجل الوصول إلى ترتيبات واضحة وملزمة تضمن تنفيذ الهدنة الإنسانية في السودان وعدم استغلالها لمآرب عسكرية أو سياسية ضيقة.
كما أعلن حميدتي في 24 نوفمبر 2025 عن هدنة إنسانية من جانب واحد لمدة ثلاثة أشهر وفق مقترح اللجنة الرباعية، رفضها الجيش حينها ووصفها بالمناورة السياسية.
ورغم إعلانها الهدنة لم تلتزم "الدعم السريع" نفسها بها، وواصلت شن الهجمات بالطائرات المسيّرة على عدد من الولايات.
ومنذ بدء الصراع بذلت القوى الإقليمية والدولية محاولات للتدخل واحتواء الأزمة عبر دفع الجيش و"الدعم" إلى التفاوض وإنهاء الصراع.
وبموجب ذلك، توصل الطرفان في 11 مايو 2023 إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار عقب وساطة سعودية أميركية مشتركة في مدينة جدة السعودية، والتي عرفت باسم "إعلان جدة".
وفي 14 مايو 2023، عُقدت جولة ثانية من المفاوضات بين الطرفين بمشاركة "إيغاد"، ولم تستمر لفترة طويلة قبل أن تفشل.
ثم استؤنفت المفاوضات في 25 أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، لمناقشة تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار وإجراءات بناء الثقة، ولم تفلح في تحقيق شيء منها.
وقد نجح منبر جدة في تنفيذ أكثر من هدنة قصيرة خلال هذه الفترة، لكنها ظلت في مهب ريح خروقات الطرفين العديدة والاتهامات المتبادلة، قبل تعليق المحادثات بينهما في ديسمبر/ كانون الأول 2023.
الحفاظ على خطوط السيطرة
وفي هذا الصدد، رأى المحلل السياسي السوداني محمد عبد الغني أن "طرفي الحرب مسترخيان تماماً بعد انفراد كل منهما بمناطق واسعة خاضعة لسيطرتهما لا تشهد معارك برية،
فيما تنحصر أغلب المواجهات في مناطق معينة، وبالطائرات المسيّرة".
وأضاف أن ذلك "يجعلهما أقل تجاوباً مع التحركات الدولية الخالية من الضغوط المباشرة"، لافتاً إلى أن مقترح الهدنة الإنسانية في السودان "الذي يعقبه وقف لإطلاق النار وعملية سياسية ظل معلقاً منذ العام الماضي".
وأوضح أنه "بينما تعلن الدعم السريع قبولها بمقترحات الهدنة وتواصل الهجمات والانتهاكات، يتخذ الجيش موقفاً مخالفاً برفض الهدنة ويضع الشروط ويتمسك في الوقت نفسه بالاستمرار في المعركة حتى النهاية".
وحسب رأيه، يشير ذلك إلى أن "مقترح الهدنة الإنسانية سيكون صعب التطبيق في وضع كهذا".
محمد عبد الغني: فرص فشل هذه الهدنة أكثر من فرص نجاحها لأن شروط الجيش بإخلاء الدعم السريع المدن ووضع السلاح تجاوزها الزمن
واعتبر عبد الغني أن فرص فشل هذه الهدنة الإنسانية في السودان "كثر من فرص نجاحها، لأن شروط الجيش بإخلاء الدعم السريع المدن ووضع السلاح تجاوزها الزمن ولم تعد قابلة للتطبيق"
موضحاً أن "الدعم" تسيطر فعلياً على الولايات الخمس لإقليم دارفور، غربي البلاد، وعلى مناطق متعددة في ثلاث ولايات بإقليم كردفان، ولديها حكومة ومؤسسات موازية وحلفاء دوليون.
لذلك، حسب رأيه، لن تخرج "الدعم السريع" من كل ذلك بهذه السهولة أو من أجل هدنة إنسانية،
مشيراً إلى أن "تطبيق الهدنة يجب أن يتم دون شروط من أي طرف، والتركيز على إيصال المساعدات لكل المناطق ووقف الكارثة الإنسانية الماثلة، ثم دفع الطرفين للتفاوض المباشر لإنهاء الحرب وإلغاء الوضع الانقسامي الذي فرضاه على البلاد".
لكن الباحث السياسي السوداني أبو القاسم إبراهيم بدا أكثر تفاؤلاً بنجاح تطبيق الهدنة الإنسانية في السودان هذه المرة "بسبب الإجماع الدولي على رفض الحلول العسكرية للأزمة في السودان، ووصول الحرب إلى طريق مسدود".
وأضاف أن "البيان المشترك الصادر عن مجموعة كبيرة من الدول والمنظمات يوم الاثنين الماضي يشير إلى أن الضغوط الدولية ستتزايد على طرفي الحرب خلال الأيام المقبلة، إلى جانب أن حلفاء داخليين لأطراف الحرب أصبحت مواقفهم أكثر ليونة من ذي قبل، وانخرطوا في الدعوات لإنهاء الحرب ووقف الكارثة الإنسانية".
واعتبر إبراهيم أن أطراف الحرب "اقتنعت بأن هذا الصراع وصل الى طريق مسدود وليس أمامهم إلا الحلول السياسية"، لافتاً إلى أنه على "الجهات الدولية المنخرطة في الأزمة السودانية إجراء محادثات مباشرة مع طرفي الصراع وتكثيف الضغوط عليهما، وتقديم المحفزات لهما لقبول مقترح الهدنة، ومن ثم الانخراط في إجراءات بناء الثقة لإنهاء الحرب".