مخاوف من طوفان الجوع الصامت والانزلاق إلى كارثة أعمق في اليمن
أحدث بيانات الجوع في اليمن لا تُحصي الجوع وتكشف صورته المرعبة فحسب، بل تحاول فهم كيف تحوّل هذا البلد- الذي كان يومًا «العربية السعيدة» إلى مختبر حي لأزمة إنسانية يُصعب وقفها.
وربما أن أسهل ما في هذه الأزمة أن تتحول «أسوأ مأساة إنسانية في التاريخ الحديث» وفق التوصيف الأممي للأزمة اليمنيّة إلى «وضع طبيعي» يتقبله العالم بصمت؛
ويُعبّر عن ذلك في تراجع تمويله لخطة الاستجابة الإنسانية الأممية وإزاحة ملف الحرب، التي تعصف باليمن منذ أكثر من عقد، من قائمة أولويات اهتمامه.
في صورة تقريبية، فالجوع في اليمن لم يعد جوعًا، بل هو وفق تقارير أممية انهيار منظومي: انهيار للدولة، وانهيار للاقتصاد، وانهيار للحماية الاجتماعية، والأخطر: إنه انهيار للأمل.
لقد خلّفت الحرب واقعًا مأساويًا للغاية؛ إذ يفتقد نسبة كبيرة من اليمنيين للغذاء والحماية.
وقالت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء، إن اليمن يدخل عام 2026 عند مفترق طرق حرج، حيث يحتاج 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية والحماية.
وأشارت إلى أن الاحتياجات المتزايدة، والتخفيضات الكبيرة في التمويل، وتقلص فرص الوصول، تجبر الشركاء على تقليص الدعم المنقذ للحياة.
واعتبرت أنه بدون تحرك عاجل، ستُزهق أرواح، وسيتزعزع استقرار المجتمعات، وستقترب الأنظمة الأساسية من الانهيار، مؤكدة أن الاستجابة الممولة تمويلاً جيداً ووصول المساعدات الإنسانية بدون عوائق أمران بالغا الأهمية لمنع اليمن من الانزلاق إلى كارثة أعمق.
وأوضحت أن ما يقرب من 5 ملايين شخص يعانون من المرحلة الثالثة أو ما فوقها من مراحل الوقاية من العدوى ومكافحتها (أزمة أو ما هو أسوأ) خلال الفترة من أذار/مارس إلى أيار/مايو 2026، بينما يعاني 1.4 مليون شخص من المرحلة الرابعة (حالة طوارئ).
وقالت إن اليمن يواجه تفشياً واسع النطاق لأمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات، بما في ذلك فيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح من النوع 2 «cVDPV2»، والإسهال المائي الحاد/الكوليرا، والحصبة، والخناق، وحمى الضنك، والملاريا، والتي تفاقمت بسبب انخفاض معدلات التطعيم والمعلومات المضللة.
في ظل تزايد الاحتياجات، واجهت الاستجابة الإنسانية في عام 2025 نقصًا حادًا وغير مسبوق في التمويل، حيث لم يُموّل برنامج الاستجابة الإنسانية والتغذية في اليمن لعام 2025 سوى 29 في المئة فقط،
ما أجبر المجموعات على تقليص أو تعليق الخدمات الحيوية المنقذة للحياة في مختلف القطاعات. وبحلول أيار/مايو 2026، أدى انخفاض التمويل إلى تقليص خدمات التغذية بنسبة تصل إلى 63 في المئة.
كما أُغلِقَ أكثر من 450 مرفقًا صحيًا، من بينها 76 مستشفى، خلال العام الماضي.
طوفان الجوع
في مناطق اليمن الأكثر غنى بالثروات والموانئ، يجلس شخصان على مائدة واحدة، أحدهما لا يعلم من أين سيأتي بوجبته التالية.. هكذا يعيش 5 ملايين يمني مطلع هذا الصيف وفقاً لأحدث قراءة أممية.
وأعلن تقرير مشترك لبرنامج الغذاء العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» عن أن ما يقرب من نصف السكان (47 في المئة) في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في اليمن يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفقًا لأحدث تحليل لتصنيف مراحل الأمن الغذائي المتكامل «آي بي سي».
ما تضمنه الرقم في الفقرة السابقة يعني نصف السكان تقريبًا في مناطق نفوذ الحكومة اليمنية (مثل عدن، وحضرموت، ومأرب، وتعز).
هذا الرقم قد يكسر الصورة النمطية السائدة بأن المجاعة تتركز فقط في مناطق جبهات القتال المباشرة أو المناطق المحاصرة.
عندما يًصاب نصف سكان المناطق التي تُوصف بأنها «مستقرة نسبيًا»، وتضم الموانئ الرئيسية ومنابع النفط (حضرموت ومأرب وعدن) بالجوع الحاد، فهذا يمثل مؤشرًا خطيرًا على ما يمكن تسميته بالانهيار الشامل للقوة الشرائية ومؤسسات الدولة الاقتصاديّة.
ووفق التقرير المشترك، فإن حوالي 5 ملايين شخص يعانون حاليًا من أزمة أو مستويات أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة 3+ من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي)، بما في ذلك 1.4 مليون شخص في حالة طوارئ (المرحلة 4 من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي). ومن المتوقع أن تتفاقم الأوضاع مع مرور الوقت.
ما يقوله التقرير هو وجود 1.4 مليون شخص حالياً ضمن مرحلة «الطوارئ الغذائية الحرجة» (المرحلة 4 من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إلى 1.5 مليون خلال الصيف، ثم إلى 1.8 مليون شخص بحلول نهاية العام 2026.
في لغة الأمن الغذائي، فالمرحلة الرابعة هي الخطوة الأخيرة التي تسبق «المجاعة الشاملة والموت الجماعي» (المرحلة الخامسة).
ما يمكن فهمه إن بقاء نحو مليوني يمنيّ في هذه الدائرة لأشهر متواصلة يعني زيادة مطردة في معدلات الوفيات الناتجة عن سوء التغذية الحاد والأمراض المرتبطة به بين الأطفال والنساء الحوامل،
وهذه الفئة يمكن وصفها بـ«أرقام تمشي نحو الموت المباشر» في ظل استمرار الوضع الراهن.
لمزيد من التوضيح نضع سؤالًا قد يبدو صادمًا للبعض: ماذا تعني المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي لعائلة يمنيّة متوسطة؟
وصول ملايين اليمنيين إلى المرحلة الرابعة من تصنيف الأمن الغذائي لا يعكس مجرد نقص في الغذاء، بل يُشير إلى اختلال عميق في العلاقة بين الدخل والأسعار، وإلى تراجع قدرة الاقتصاد على حماية الفئات الأكثر هشاشة من آثار التضخم وتدهور العملة واستمرار الصراع.
عندما يصنف تقرير الأمن الغذائي أسرة أو منطقة ضمن «مرحلة الطوارئ الحرجة» (أي بي سي4)، فإن ذلك ـ حسب الخبير الاقتصادي عبدالحميد المساجدي- لا يعني فقط أن السكان فقراء أو يعانون من ظروف معيشية صعبة، بل يعني أنهم دخلوا مرحلة يصبح فيها الحصول على الغذاء الكافي والمنتظم تحديًا يوميًا يهدد الصحة والحياة وسبل العيش.
ويقول «وبالنسبة لعائلة يمنية متوسطة، فإن هذه المرحلة تعني أن دخلها لم يعد قادراً على تغطية احتياجاتها الغذائية الأساسية بصورة مستقرة. وتبدأ الأسرة في تبني ما يُعرف باستراتيجيات التأقلم السلبية، مثل تقليص عدد الوجبات اليومية، أو الاستغناء عن الأغذية ذات القيمة الغذائية المرتفعة، أو الاعتماد على الديون، أو بيع الممتلكات والأصول الإنتاجية لتأمين الغذاء.
كما تعني هذه المرحلة أن الأسرة أصبحت أكثر عرضة لسوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، وأن أي صدمة إضافية مثل فقدان مصدر دخل، أو ارتفاع جديد في الأسعار، أو تراجع المساعدات الإنسانية، قد تدفعها نحو مستويات أشد خطورة من الجوع».
ويضيف: «والأخطر من ذلك أن مرحلة الطوارئ لا تمثل أزمة آنية فقط، بل تؤدي إلى تآكل القدرة الاقتصادية للأسر على المدى الطويل. فبيع الأصول واستنزاف المدخرات والاعتماد المتزايد على الاقتراض يحوّل الأزمة الغذائية من مشكلة مؤقتة إلى دائرة فقر مزمنة يصعب الخروج منها حتى في حال تحسن الظروف الاقتصادية لاحقاً».
أزمة الصيف وتغيرات المناخ
وتوقع التقرير المشترك أن يواجه نحو 5.4 مليون شخص (51 في المئة من سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة) خلال موسم الجفاف الممتد من حزيران/يونيو إلى أيلول/سبتمبر 2026، انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
ارتفاع الأرقام مع دخول الصيف (موسم الجفاف) يكشف عجز القطاع الزراعي والحيواني المحلي عن سد الفجوة. التقرير يُشير إلى أن 60 في المئة من الأسر تعتمد جزئياً على الزراعة، لكن التكاليف الباهظة للمدخلات (الوقود، البذور، الأسمدة) والتغيرات المناخية حوّلت الزراعة من طوق نجاة إلى عبء اقتصادي آخر.
وطبقًا للتقرير المشترك، حتى فترة ما بعد الحصاد، الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر إلى كانون الأول/ديسمبر 2026، من غير المرجح أن تُحقق انتعاشاً ملموساً. ومن المتوقع أن يرتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون في حالة طوارئ (المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) إلى 1.8 مليون شخص، ما يُؤكد خطورة الأزمة واستمرارها.
وللاقتراب أكثر من الصورة، قالت نشرة الإنذار المبكر للأرصاد الجوية الزراعية في اليمن لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» للعشرية الأولى من شهر حزيران/يونيو (صدرت مستهل حزيران/يونيو) إن هطول الأمطار يبدو غائباً أو خفيفاً جداً في معظم أنحاء اليمن، ما يخلق ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل المعتمدة على الأمطار وتعافي المراعي في الوقت نفسه.
وأضافت: مِن المرجح أن تكون بعض حالات هطول الأمطار الغزيرة المتفرقة – التي بلغ مجموعها 40-60 ملم في أجزاء من محافظة إب – قد حسّنت من توافر المياه على المدى القصير.
يأتي هذا بالتزامن مع ترجيح المعهد الدولي للأرصاد الجوية، في توقعاته، أن تسود درجات حرارة مرتفعة باستمرار في المناطق الصحراوية الداخلية في حضرموت والمهارة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة العظمى نهاراً 42 درجة مئوية.
كما يُتوقع أن تشهد المناطق الساحلية على طول البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية. ومن المرجح أن تشهد المناطق المتأثرة بموجة الحر تسارعاً في فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة التبخر، ما قد يقلل من فوائد هطول الأمطار للزراعة المعتمدة على الأمطار والمراعي وإنتاج الثروة الحيوانية، وفق تقرير حديث لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو».
مما سبق، فإن تأثير الجفاف وشح المياه ينعكس سلبًا على المحاصيل الزراعية المحلية ومصادر دخل الأسر الريفية، التي تعتمد على الزراعة والرعي كمصدر وحيد للعيش؛ مما يُكرّس من واقع الجوع والحاجة الماسة للغذاء لدى ما نسبته 60 في المئة من السكان المعتمدين على الزراعة، وما ينتج عنه تسريع مجاعة المزارعين وسكان الريف.
يأتي هذا متزامنًا مع تراجع إنتاجية الآبار الجوفية وارتفاع كلفة صيانة المضخات (بسبب أزمة الوقود وفوارق الأسعار)، مما يُفاقم من محاصرة مصادر دخل الأسرة وبالتالي يحدّ من وسائل التكيف المتاحة، ويتسبب في الأخير في وقوعها في براثن الجوع.
وسبق وعدّت الأمم المتحدة «اليمن من أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه في العالم. لا تتجاوز حصة الفرد من موارد المياه المتجددة الـ80 متراً مكعباً سنوياً، وهي أقل بكثير من العتبة العالمية البالغة 1000 متر مكعب التي تُعرّف الإجهاد المائي».
وقالت: «وبما أن اليمن لا يمتلك أي أنهار دائمة، فإنه يعتمد بشكل كبير على هطول الأمطار والمياه الجوفية التي تتناقص بسرعة. تتأثر المجتمعات الريفية بهذه الأزمة المائية بشكل غير متناسب».
وحسب تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي نشره في تشرين الأول/أكتوبر الماضي فقد أشارت الأبحاث إلى أن 70-80 في المئة من جميع الصراعات الريفية في اليمن مرتبطة بالمياه.
ويؤكد هذا الانتشار الكبير للنزاعات المتعلقة بالمياه على هشاشة المجتمعات التي تُعاني بالفعل من مصادر مياه محدودة وغير ثابتة.
وتزيد عوامل مثل النزوح وتحول أنماط هطول الأمطار من الضغط على شبكات إمدادات المياه في اليمن، ما يؤدي إلى تفاقم الصراع المستمر منذ عقد من الزمان.
عسكرة الاقتصاد
مما سبق، فالجوع في اليمن ليس- كما قد يعتقد البعض- بسبب غياب الطعام في الأسواق، بل بسبب مباشر هو انعدام القدرة الشرائية وعسكرة الاقتصاد.
وتوقع التقرير الأممي المشترك أن تؤدي القدرة الشرائية الضعيفة باستمرار، والتدهور الاقتصادي الكلي المتواصل، وارتفاع تكاليف مدخلات الزراعة، والانخفاض الحاد في المساعدات الإنسانية، وفقًا للمستويات الحالية للتمويل المؤكد، إلى ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي حتى نهاية العام.
وأشار إلى أن الأسر لا تزال تعتمد بشكل كبير على الأسواق في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية باستمرار. فالرواتب غير المنتظمة، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وانخفاض فرص الدخل، والقيود المفروضة على الإنتاج الزراعي، كلها عوامل تحدّ من قدرة الأسر على تلبية حتى الاحتياجات الغذائية الأساسية.
وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تشهد المساعدات الغذائية والتدخلات الإنسانية في مجالات التغذية والصحة والمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية انخفاضًا حادًا بسبب النقص الحاد في التمويل، مما سيترك الملايين دون دعم مع ازدياد الاحتياجات.
يأتي هذا في مرحلة يعاني فيها البلد انقسامًا حادًا في العملة والسياسة المصرفية؛ وهو ما يُضاعف من أعباء الأسرة، حتى تعجز فيه هذه الأسرة عن شراء كيس الدقيق.
قد يبدو كيس الدقيق سلعة غذائية بسيطة، لكنه في الواقع يمثل المحصلة النهائية لسلسلة طويلة من القرارات النقدية والمصرفية والاقتصادية،
فاليمن يستورد معظم احتياجاته من القمح والمواد الغذائية الأساسية من الأسواق الخارجية، ما يجعل سعر رغيف الخبز وكيس الدقيق مرتبطًا مباشرة بسعر صرف الريال اليمني، وكفاءة النظام المصرفي، وقدرته على تمويل التجارة الخارجية، وفق عبدالحميد المساجدي.
ويضيف: «عندما تتدهور قيمة العملة الوطنية، ترتفع فاتورة الاستيراد تلقائياً، لأن المستوردين يشترون القمح بالدولار أو بعملات أجنبية أخرى.
وكل انخفاض في قيمة الريال يعني أن التاجر يحتاج إلى كمية أكبر من العملة المحلية للحصول على الكمية نفسها من السلع المستوردة. وينعكس ذلك على أسعار الدقيق والخبز والزيوت والأرز وغيرها من السلع الأساسية. ولا يتوقف الأمر عند سعر الصرف فقط،
فاستقرار القطاع المصرفي يُعدُّ عاملاً حاسمًا في الأمن الغذائي. إذ تؤدي القيود على التحويلات المالية، وارتفاع مخاطر التعامل مع البنوك اليمنيّة، وتراجع أدوات التمويل التجاري، إلى زيادة تكاليف الاستيراد والتأمين والشحن،
كما أن الانقسام المالي والنقدي بين مناطق البلاد أوجد تشوهات إضافية في الأسواق، وأضعف قدرة القطاع الخاص على الحصول على النقد الأجنبي بشروط مستقرة».
ويرى المساجدي أن «المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع أسعار الغذاء، بل في الفجوة المتزايدة بين الأسعار والدخول. فالموظف أو العامل الذي ظل دخله ثابتًا أو تراجع فعليًا بفعل التضخم، يجد نفسه أمام واقع تتآكل فيه قدرته الشرائية شهراً بعد آخر.
وبالتالي فإن أزمة الأمن الغذائي في اليمن ليست مجرد أزمة نقص غذاء، بل هي أيضاً أزمة عُملة وأزمة دخل وأزمة سياسات اقتصادية تؤثر بشكل مباشر على قدرة الأسرة على الوصول إلى الغذاء المتوفر في الأسواق».
فجوة التمويل
في مقدمة عوامل ارتفاع مؤشرات الجوع في اليمن تراجع تمويل البرامج الإنسانية الإغاثية الأممية خلال السنوات الأخيرة، وفي الوقت ذاته ما تواجهه المنظمات الإغاثية من قيود وعوائق ميدانية تحول دون وصول المساعدات الشحيحة إلى بؤر الجوع الحقيقية في القرى والبلدات النائية.
وأطلقت الأمم المتحدة، في أذار/مارس خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026م لجمع مبلغ 2.16 مليار دولار أمريكي لتقديم مساعدات واسعة النطاق، بما في ذلك 1.6 مليار دولار أمريكي لدعم التدخلات المنقذة للحياة ذات الأولوية في مختلف القطاعات للفئات الأكثر ضعفاً.
وقالت: «لتنفيذ هذه الاستجابة، يهدف المجتمع الإنساني إلى الوصول إلى 12 مليون شخص في عام 2026، من بينهم 9.4 مليون شخص تُعطى لهم الأولوية في الحصول على مساعدات مُوجّهة بناءً على شدة الوضع».
وذكرت أنه «في عام 2026، يحتاج أكثر من 22 مليون شخص – من بينهم 10.95 مليون امرأة وفتاة – إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية في جميع أنحاء اليمن. ويشمل ذلك 5.2 مليون نازح داخلياً، و329 ألف مهاجر، و63 ألف لاجئ وطالب لجوء».
يُشار إلى أن نسبة العجز في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2025 بلغت حوالي 71 في المئة.
الظهر المكشوف لليمنيين
هذا الرقم يعني «الظهر المكشوف» لليمنيين. التراجع الحاد في تمويل المساعدات تزامن مع عسكرة البحر الأحمر والتوترات الإقليمية، ما يوضح كيف تدفع الأسر اليمنية ثمن تحول بوصلة المانحين الدوليين إلى بؤر صراع أخرى في العالم، ليتركوا اليمن يواجه مصيره بأقل من نصف التمويل المطلوب.
وتُعدّ النساء والأطفال، والنازحون داخلياً، والمجتمعات المهمشة، من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر. ويؤدي انخفاض تنوع النظام الغذائي، وضعف استهلاك الغذاء المنزلي، ومحدودية الوصول إلى خدمات التغذية الوقائية الأساسية، وتدهور الظروف المعيشية، وفق التقرير المشترك، إلى زيادة خطر سوء التغذية الحاد، لا سيما بين النساء الحوامل والمرضعات والأطفال الصغار.
ودعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، وبرنامج الأغذية العالمي، واليونيسف، المجتمع الدولي إلى زيادة التمويل المخصص للمساعدات الغذائية الإنسانية، وخدمات التغذية، والصحة، والزراعة، وبرامج تعزيز القدرة على الصمود، بشكل عاجل.
فبدون اتخاذ إجراءات فورية ومستدامة وموسعة، يواجه ملايين الأشخاص المستضعفين خطر الانزلاق إلى براثن الجوع وسوء التغذية وفقدان سبل عيشهم بشكل لا رجعة فيه.
ما ورد في التقرير المشترك، وفق الصحافي معد الزكري، أن «الأزمة لم تعد مجرد أرقام، بل واقع يهدد ملايين الأسر بالجوع وسوء التغذية مع استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع التمويل الإنساني، اليمن بحاجة إلى تحرك عاجل قبل أن تتسع دائرة المعاناة أكثر».
وما يعزز من الواقع المرعب الذي كشفه التقرير الأممي المشترك ما أعلنه تقرير لمكتب وزارة التخطيط والتعاون الدولي بمحافظة مأرب، وحديثه عن 297 ألف أسرة (من النازحين والمجتمع المُضيف) بحاجة عاجلة للمساعدات الإغاثية هذا العام، ومعاناة 234 ألف أسرة من انعدام أمن غذائي حاد، بزيادة 13في المئة عن العام الماضي.
منذ عام 2014، يشهد اليمن صراعاً عنيفًا. وقد تضررت أو دُمرت البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المياه والصرف الصحي والتعليم والصحة والنقل، ما أدى إلى تقليص الخدمات العامة وضعف القدرة على الصمود بشكل كبير.
وإذا استمر الصراع حتى عام 2030، وفق الأمم المتحدة، فقد يمتد التراجع التنموي إلى ما يقارب أربعة عقود، أي أكثر من جيل ونصف. وعلى الرغم من محدودية الصراع واسع النطاق بين أطراف النزاع الأهلي الدائر، فقد صُنفت اليمن خامس أقل الدول سلمًا في العالم.
أحمد الأغبري