حرب إيران تتأرجح بين سيناريوهات التصعيد والحلّ: أيّ كفّة ستغلب؟
الرأي الثالث - وكالات
في ظل حالة التأرجح بين التهدئة المؤقتة وتجدّد الهجمات المتبادلة المحدودة بين طهران وواشنطن، تبرز مؤشرات أن المنطقة تقف على أعتاب جولة أخرى من الحرب، وسط الانسداد الدبلوماسي الراهن، سبقتها في الفترة الأخيرة تطورات لافتة في خريطة المواجهة، التي اتسع نطاقها ليشمل مناطق جديدة من باب المندب إلى بحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط
كما توسعت الساحات عقب محاولة إيرانية لكسر الحصار الجوي عن الحوثيين في صنعاء، وتجدد المواجهة بين الحوثيين والسعودية، والإعلان عن حصار بحري على الرياض، فضلاً عن هجمات أميركية سعودية مشتركة على "الحشد الشعبي" في العراق.
مؤشرات جولة قادمة من الحرب
يأتي هذا التصعيد متعدد الأطراف بعد أكثر من خمسة أشهر على اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، والتي جاءت بدورها بعد ثمانية أشهر من حرب يونيو/حزيران 2025.
وفي أعقاب تقارير إعلامية أميركية تحدثت عن موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على شن جولة عسكرية جديدة، رجحت طهران اليوم السبت وقوع هذا السيناريو، محذرة من تبعاته.
ونقلت وكالة "فارس" الإيرانية عن قائد مقر "خاتم الأنبياء" للعمليات المشتركة، علي عبد اللهي، قوله إن الولايات المتحدة "تتبع على نحوٍ متسارع مسار إشعال نيران واسعة" في المنطقة،
مشدداً على أن هذا النهج ينبع من "استراتيجية خاطئة تهدف إلى التوسع والهيمنة غير المشروعة". ودعا عبد اللهي في بيانه الدول الإسلامية إلى "إعادة النظر في التعاون والتماهي مع واشنطن"
محذراً من أن "أي دولة تجعل نفسها درعاً دفاعياً لأميركا المعتدية ستحترق في نيران الحرب".
وفي السياق، توعد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محمد باقر ذو القدر، اليوم السبت في بيان نقله التلفزيون الرسمي، بإحكام إغلاق مضيق هرمز وممرات ومضائق استراتيجية أخرى، رداً على استمرار الحصار البحري وإذكاء واشنطن لفتيل الحرب
مؤكداً أن الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والناخبين الأميركيين سيدفعون ثمن هذه السياسات.
من جهتها، رأت صحيفة "همشهري"، التابعة لبلدية طهران، اليوم السبت، أن غلق مضيق هرمز بمفرده لم يعد كافياً، داعية إلى العمل على "زعزعة أمن منطقة بحر قزوين" لقطع مسارات النفط المتجهة إلى إسرائيل عبر القوقاز وجمهورية أذربيجان.
وأكدت الصحيفة أنّ التوتر في جنوب غرب آسيا لا يمكن حله عبر تهديدات عامة أو إغلاق ممر واحد،
مشددة على أن "الردع يكتسب معناه الحقيقي عندما يطاول نقاطاً حساسة وملموسة لدى الطرف الآخر، بما يتجاوز مجرد استعراض القوة ليتحول إلى ضغط فعلي على سلاسل توريد الطاقة لإسرائيل".
ترامب أمام خيارَين
وفي قراءة لخيارات المواجهة القادمة في الجانب الأميركي، يرى القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني، حسين كنعاني مقدم، أن الرئيس ترامب يدرس خيارَين بشأن الهجوم على إيران:
* يتمثل الأول في توجيه "الضربة النهائية"، ثم إعلان النصر ومحاولة الخروج من "المأزق" الذي وقع فيه، قبل الدعوة إلى فتح باب التفاوض.
وأوضح كنعاني مقدم أن ترامب يدرك أن رد إيران سيكون قوياً جداً، وأن جولة حرب جديدة ستؤدي إلى استهداف المنطقة بأكملها، وربما مناطق خارجها أيضاً.
* أما الخيار الثاني الذي يسعى إليه ترامب، بحسب كنعاني، فإنّه يرتبط بمضيق هرمز وأزمة الطاقة، إذ يحاول الرئيس الأميركي خلال فترات إغلاق الأسواق وقبيل استئناف التداول، شن هجمات على إيران بهدف الحفاظ على قدر من الاستقرار في الأسواق.
ورأى أن هذا النهج يشبه "نظرية سلق الضفدع"، إذ يقوم على توجيه ضربات متكرّرة وممتدة أملاً في معالجة المشكلة الاقتصادية الأميركية،
مستدركاً بأنها لن تنجح، مع حديثه عن أن إيران تتبع سياسة "الحصار مقابل الحصار"، وإن دخول باب المندب في المعادلة جعل أزمة الطاقة تؤثر في العالم بأسره.
وتابع المصدر ذاته، أن المرحلة المقبلة "ستشهد نوعاً من الحرب الباردة، قد تسعى فيها الولايات المتحدة من خلال دعم الجماعات المناهضة للنظام واحتلال بعض المناطق أو الجزر الإيرانية إلى ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية وعسكرية على طهران"،
لكنه لفت إلى أن القوات الأميركية، رغم قدرتها على إنشاء جسر بري في بعض المناطق، تدرك أنها لن تستطيع البقاء هناك وستتكبد خسائر بشرية كبيرة،
معتبراً أن حجم الخسائر العسكرية الأميركية سيكون غير قابل للحساب، وأن تكاليف اقتصاد الحرب باهظة ولا يمكن لواشنطن تحملها، خاصة عند مقارنة كلفة إطلاق طائرة مسيّرة إيرانية تقدر بـ 20 ألف دولار، مقابل كلفة صاروخ أميركي بمليون دولار.
طبيعة المواجهة القادمة
أما عن طبيعة المواجهة القادمة المحتملة، فيرى مؤسس معهد "دبلوماسية الأمم" الإيراني، محمد علي سيد حنايي، أن الهدوء الحالي لا يعدو كونه وقفة تكتيكية في مسار الأزمة،
مؤكداً عدم معالجة أي من المسببات الجذرية للتوتر بين طهران وكل من واشنطن وتل أبيب، ما يبقي احتمال حرب جديدة قائماً.
وأوضح سيد حنايي أنّ إدراك الأطراف الفاعلة للكلفة الباهظة لأي مواجهة شاملة يدفعهما حالياً نحو خيار إدارة التوتر، مرجحاً ألّا تتخذ الجولة القادمة شكلاً كلاسيكياً،
بل ستكون مواجهة هجينة ومتعددة الأبعاد ترتكز على الضربات الدقيقة، والهجمات الصاروخية والمسيّرة، والعمليات السيبرانية، والضغط على البنية التحتية، فضلاً عن الاشتباكات البحرية والأنشطة الاستخباراتية والتوغلات البرية.
وأشار إلى أن مبعث القلق الأساسي "يكمن في مخاطر الحسابات الخاطئة؛ إذ أنّ أيّ تحرك عسكري قد يتطور سريعاً إلى سلسلة من ردّات الفعل المتبادلة". وحول التهديدات الموجهة للمنشآت الحيوية الإيرانية، لفت سيد حنايي إلى ضرورة التعامل معها بجدية،
مبيناً أن الموانئ وشبكات النقل والطاقة والأنظمة الرقمية باتت أهدافاً استراتيجية، ومؤكداً أن أي استهداف مباشر لها "سيواجه بردّ إيراني مماثل"، محذراً في الوقت ذاته من أن هذا المسار يهدد استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الخليج.
وخلص الخبير الإيراني إلى أن دولة قطر مؤهلة للعب دور محوري في إدارة الأزمة بفضل شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وعلاقاتها المستقرة مع إيران، ما يمنح الدوحة قدرة على تيسير الحوار وتقريب وجهات النظر ونقل الرسائل المتبادلة،
إضافة إلى مصالحها الجيواقتصادية المرتبطة باستقرار المنطقة وتطوير التعاون الاقتصادي.
فرص الحل الدبلوماسي
وفي ظلّ هذا الانسداد، يرى الخبير الإيراني صلاح الدين خديو، أن الأزمة وصلت إلى نقطة مفصلية، واصفاً إياها بـ"مفترق طرق صعب"
إذ يتعيّن على أحد الطرفين القيام بانسحاب ملموس، فإما أن يبدي الطرف الإيراني مرونة تفادياً لحرب شاملة، أو أن يتراجع الطرف الآخر عن مطالبه خوفاً من تفاقم أزمة الطاقة.
وأضاف خديو أن احتمالية حدوث مثل هذه التسوية الدبلوماسية لا تبدو مرتفعة، ونتيجة لذلك، يكمن الخطر في أن يقود هذا الطريق المسدود إلى حرب أوسع، مشيراً إلى أن الجانب الإيراني استعد لمواجهة طويلة الأمد.
ومن هذا المنظور، يعتبر أن الهجمات الأخيرة على أهداف أميركية واستهداف ناقلات مرتبطة بقطاع الطاقة وتوسع النطاق الجغرافي "جزءٌ من محاولات تغيير حسابات وتصورات الطرف الآخر".
أبعاد التصعيد
وفي تحليل أهداف هذا التصعيد وأبعاده الإقليمية، يشير الخبير الإيراني مصطفى نجفي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن التصعيد المتبادل يهدف إلى تحقيق غايتَين؛
* أولاهما من جانب الولايات المتحدة التي تسعى إلى زيادة الضغط على إيران وحلفائها لتشتيت قدراتهم.
* والثانية من جانب إيران التي تهدف إلى نقل تكاليف الحرب إلى الفاعلين الإقليميين والاقتصاد العالمي، لكونها نقاطاً حيوية لإمدادات الطاقة والتجارة.
وأوضح نجفي أن هذا التوجه "يفسر تحول كافة النقاط المرتبطة بسلاسل الطاقة أو النقل أو حلفاء الجانبين إلى بؤر جديدة للتوتر، ممتدة من الخليج إلى بحر قزوين، ومن البحر الأحمر إلى المتوسط".
وأضاف أن اتّساع رقعة المواجهة يزيد طردياً من احتمالات دخول فاعلين جدد، ويرفع التكاليف الاقتصادية، كما يجعل السيطرة على الأزمة أكثر صعوبة، مشيراً إلى أن الحرب التي كانت تبدو مواجهة ثنائية باتت تتمدّد اليوم لتشمل المنطقة بأسرها.
صابر غل عنبري