عبدالفتاح إسماعيل... ذكرى ميلاد قائد وثائر ومفكر
في الثامن والعشرين من يوليو من كل عام، يستحضر اليمنيون ذكرى ميلاد المناضل والقائد الوطني عبدالفتاح إسماعيل، أحد أبرز الشخصيات التي تركت بصمة بارزة في التاريخ السياسي اليمني الحديث.
فقد جمع بين النضال الثوري، والقيادة السياسية، والإنتاج الفكري، والإبداع الشعري، وأسهم في صياغة مرحلة مفصلية من تاريخ اليمن.
وبعد الاستقلال، تولى منصب وزير الثقافة والإرشاد وشؤون الوحدة اليمنية في أول حكومة وطنية برئاسة الرئيس قحطان محمد الشعبي، ثم تولى رئاسة هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية،
وكان أحد أبرز قادة حركة التحرر الوطني، وأحد أبرز قادة الحزب الاشتراكي اليمني، وأحد مؤسسيه الرئيسيين، وأبرز منظريه، ومن أبرز الداعين إلى الوحدة اليمنية وبناء الدولة الحديثة.
برز عبدالفتاح إسماعيل في صفوف الحركة الوطنية بوصفه أحد قادة الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، وأسهم في معركة التحرر الوطني التي تُوجت باستقلال الثلاثين من نوفمبر عام 1967.
وكان يرى أن الاستقلال لا يقتصر على إنهاء الوجود الاستعماري، بل يمتد إلى بناء دولة وطنية ذات مؤسسات راسخة، تحقق العدالة، وتصون السيادة الوطنية، وتكفل المشاركة السياسية، وتوفر مقومات التنمية المستدامة.
وفي مرحلة بناء الدولة، واصل حضوره في الحياة السياسية قائدًا وصاحب رؤية، وأسهم في بناء مؤسسات الدولة، وتولى مسؤوليات قيادية عكست حضوره السياسي والفكري في مرحلة التأسيس.
كما اضطلع بدور محوري في تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني، وأسهم في بلورة رؤيته الفكرية والتنظيمية، انطلاقًا من إيمانه بأن التنظيم السياسي الفاعل يمثل ركيزة أساسية لبناء الدولة وترسيخ الاستقرار، وأن التنمية والعدالة الاجتماعية لا تنفصلان عن وجود مؤسسات وطنية قادرة على إدارة الشأن العام بكفاءة ومسؤولية.
كما ارتبط اسم عبدالفتاح إسماعيل بالمشروع الوحدوي اليمني، إذ آمن بأن وحدة اليمن تمثل خيارًا تاريخيًا واستراتيجيًا، وأن نجاحها يتطلب شراكة وطنية حقيقية، واحترام التعددية السياسية، والاحتكام إلى الدستور والقانون، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، بما يعزز بناء دولة مستقرة وقادرة على استيعاب جميع أبنائها.
ولم تقتصر إسهاماته على العمل السياسي، فقد كان شاعرًا ومثقفًا واسع الاطلاع، وأدرك أن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل قوة فاعلة في تشكيل الوعي العام، وتعزيز قيم الحرية والتنوير والانتماء الوطني.
وقد انعكس هذا الوعي في خطاباته وكتاباته التي جمعت بين العمق الفكري والالتزام بالقضايا الوطنية، وظلت جزءًا من الإرث الثقافي والسياسي اليمني.
لقد مثل عبدالفتاح إسماعيل نموذجًا للقائد الذي جمع بين الفكر والممارسة، وسعى إلى تحويل الأفكار إلى برامج ومؤسسات، وربط النضال الوطني بمشروع سياسي يستهدف بناء دولة حديثة تقوم على سيادة القانون، وكفاءة المؤسسات، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وبينما تتباين القراءات التاريخية لبعض مراحل تجربته السياسية، فإن ذلك لا يحجب مكانته بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في تشكيل مسار اليمن الحديث، وكان لها حضور مؤثر في الحياة السياسية والفكرية.
وتأتي ذكرى ميلاده في مرحلة يواجه فيها اليمن تحديات معقدة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل استحضار التجارب الوطنية الرائدة فرصة للتأمل واستخلاص الدروس.
فالأمم لا تبني مستقبلها بقطع الصلة بتاريخها، وإنما بقراءته قراءة واعية تستفيد من النجاحات، وتراجع الإخفاقات، وتبحث عن المشتركات الوطنية التي تعزز التماسك الوطني، وتدعم بناء الدولة ومؤسساتها.
إن الوفاء لعبدالفتاح إسماعيل لا يكون باستحضار سيرته فحسب، بل باستلهام القيم التي جسدها في مسيرته السياسية والفكرية؛
وفي مقدمتها الإخلاص للوطن، والعمل المنظم، واحترام الفكر، والإيمان بالحوار، والسعي إلى بناء دولة المؤسسات، وترسيخ الشراكة الوطنية، وصيانة الوحدة على أسس عادلة ومستدامة.
رحم الله المناضل والثائر والقائد الوحدوي والمفكر والشاعر عبدالفتاح إسماعيل، الذي سيظل حاضرًا في الذاكرة الوطنية اليمنية بوصفه أحد أبرز قادة حركة التحرر الوطني، وأحد أبرز قادة الحزب الاشتراكي اليمني، وأحد مؤسسيه الرئيسيين، وأبرز منظريه، ومن الشخصيات التي تركت أثرًا سياسيًا وفكريًا وثقافيًا بارزًا في تاريخ اليمن الحديث.
✍️ أ . عبدالعالم عبدالجليل
كاتب وباحث يمني