كيف لجائع أن ينتظر الخلاص من عبد الملك الحوثي؟
ف لجائع أن ينتظر الخلاص من عبد الملك الحوثي؟
حين يصل الجائع إلى باب السلطة فلا يجد رغيفا ولا راتبا ولا حتى كلمة رحمة، بل يجد سخرية واستخفافًا، فالمشكلة لم تعد اقتصادية فقط، ولم تعد مجرد أزمة موارد أو ظروف حرب. المشكلة تصبح أعمق بكثير: أزمة في النظرة إلى الإنسان نفسه؟.
المشهد الذي ظهر فيه مواطن يشكو الجوع، ثم يقابل بالاستهزاء والدعوة إلى “العمل”، رغم أن مئات الآلاف من الموظفين حرموا من مرتباتهم سنوات طويلة، لم يكن حادثة عابرة. لقد كان لحظة كاشفة.
لحظة سقطت فيها الأقنعة، وظهرت الحقيقة التي يحاول الخطاب التعبوي إخفاءها منذ سنوات: هناك سلطة لا ترى في الناس أصحاب حقوق، بل مجرد أدوات ووقود لمشروعها..
الأكثر فداحة أن الأمر لم يتوقف عند الاستخفاف بالجائع، بل امتد إلى مهاجمة كل من تضامن معه أو كتب عن معاناته،
وكأن الجوع نفسه أصبح جريمة، وكأن الحديث عن المرتبات والحقوق صار تآمرا على الأمة، وكأن المطلوب من المواطن أن يجوع بصمت، وأن يموت بصمت، وأن يصفق لمن أوصله إلى هذا المصير!.
متى سنفقه أن هذه الجماعة ترى أن مجرد مساءلتها اعتداء عليها، وأن مجرد مطالبتها بالوفاء بالتزاماتها مؤامرة تستهدفها؟.
متى سيقتنع الناس بأن انتظار حلول حقيقية من عبد الملك الحوثي أو من المسيرة التي يقودها يبدو رهانا خاسرا منذ البداية. ليس لأن الرجل يفتقر إلى السلطة أو النفوذ، بل لأن الأزمة كامنة في الأساس الفكري الذي يحكم المشروع كله.
فمن ينطلق من الشعور بالاصطفاء لا يرى نفسه ممثلا للناس، بل وصيا عليهم. ومن يعتقد أنه صاحب حق استثنائي في القيادة، لا يتعامل مع المواطنين باعتبارهم شركاء متساوين، بل باعتبارهم تابعين مطالبين بالطاعة والامتنان..
إن جوهر الأزمة ليس في قرار هنا أو سياسة هناك، بل في عقلية الاستعلاء السياسي التي تجعل الحاكم فوق النقد، والجماعة فوق المجتمع، والقيادة فوق المساءلة. وفي ظل هذه العقلية يصبح الجائع متهما، والناقد خائنا، والمطالب بحقه مشبوها..
التاريخ يعلمنا أن الشعور بالاصطفاء يحمل في داخله بذور العجز عن الإصلاح. لأن من يعتقد أنه مختار بحكم النسب أو العقيدة أو الرواية التاريخية لا يرى ضرورة لمراجعة نفسه.
المراجعة تكون للآخرين دائما، أما هو فيظل مقتنعا بأنه على حق مهما تراكمت الأخطاء ومهما ازدادت معاناة الناس..
ولهذا لم تعد المشكلة في انقطاع المرتبات وحده، ولا في اتساع رقعة الفقر وحده، بل في وجود سلطة نجحت في تحويل المأساة الإنسانية إلى ملف دعائي، وفي تحويل صرخة الجوع إلى قضية أمنية، وفي تحويل المطالبة بالحقوق إلى تهمة سياسية..
وما يثير الأسى أكثر هو أن بعض الضحايا أنفسهم أصبحوا يدافعون عن واقعهم البائس. وهي ظاهرة عرفتها كل عصور الاستبداد، حين ينجح الخطاب الأيديولوجي في إقناع المقهور بأن قهره ضرورة، وأن جوعه تضحية، وأن صمته فضيلة.
عندها لا يعود المستبد بحاجة إلى إسكات الناس، لأن بعض الناس يتكفلون بالمهمة نيابة عنه..
إن المقولة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب: “عجبت لرجل يبات جائعا ولا يشهر سيفه”، تكتسب هنا مفارقة مؤلمة.
فالجماعة التي ترددها صباح مساء تبدو أقل الأطراف استعدادا لفهم معناها الأخلاقي. فجوهر العبارة إدانة مجتمع يسمح باستمرار الجوع والظلم حتى يدفع الناس إلى حافة الانفجار.
إنها صرخة ضد اللامبالاة، لا شعار يرفع ثم ينسى عندما يصبح الجائع خصما سياسيا..
لقد أثبتت السنوات أن الجائع لا ينتظر الإنصاف ممن لا يرى فيه إلا تابعا، وأن المقهور لا يحصل على كرامته ممن يعتبر الكرامة امتيازا خاصا بجماعته.
لذلك فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على صحوة ضمير لدى سلطة تأسست على فكرة التفوق والاستحقاق الحصري، بل على وعي المجتمع بحقه في الحياة الكريمة، وعلى استعادة الإنسان اليمني ثقته بنفسه وبحقه الطبيعي في الراتب والخبز والكرامة..
فلا يمكن لمن يرى نفسه فوق الناس أن يبني دولة للمواطنين. ولا يمكن لمن يعتبر الاعتراض خيانة أن يصنع عدالة. ولا يمكن لمن يضيق بصوت الجائع أن يكون حاملا لمشروع خلاص..
والحقيقة التي يجب أن يفهماها نصر الدين عامر هي أن الشعارات تستطيع أن تطيل عمر المعاناة، لكنها لا تستطيع أن تطعم جائعا. وأن الخطابات تستطيع أن تبرر الفقر، لكنها لا تستطيع أن تلغيه.
وأن الاستعلاء، مهما ارتدى من أثواب دينية أو ثورية، يبقى استعلاء، لا ينتج إلا مزيدا من القهر، ومزيدا من الجوع، ومزيدا من المسافة بين الحاكم والمحكوم، وإن غدا لناظره قريب…؟