عندما يُدفن الشعار تحت أعباء السلطة!!
"عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه."
هذا القول المأثور المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
لم يكن مجرد حكمة تُتداول في كتب التراث
بل تحول لسنوات إلى شعار سياسي وأخلاقي يرفعه كثيرون وهم في موقع المعارضة
يستنكرون به الفقر ويحمّلون السلطة مسؤولية معاناة الناس
ويصورون الجوع باعتباره نتيجة مباشرة للظلم وسوء الإدارة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح:
أين ذهب هذا الشعار بعد الوصول إلى السلطة؟
وأين ذهبت تلك الحساسية المفرطة تجاه معاناة الفقراء
وذلك الغضب الذي كان يشتعل كلما اشتكى الناس من ضيق العيش؟
لقد فوجئ كثير من الناس بالتصريحات المنسوبة إلى القائم بأعمال رئيس الوزراء العلامة محمد مفتاح
عندما علّق على مواطن خرج في حالة يأس شديد يشق ثوبه أمام الناس معبراً عن ضيق الحال وانسداد أبواب الرزق
بأن عليه أن يبحث عن عمل وأن يوفر قيمة باقات الإنترنت بدلاً من الشكوى على وسائل التواصل الاجتماعي.
بعيداً عن الجدل حول صيغة التصريح أو سياقه فإن الرسالة التي فهمها الناس كانت واضحة ومؤلمة:
أنت مسؤول عن معاناتك فاذهب وابحث عن حل بنفسك.
وهنا يبرز التناقض الصارخ.
فإذا كان من لا يجد قوت يومه بحسب ذلك الشعار القديم معذوراً في غضبه وتمرده على الظلم
فكيف أصبح اليوم موضع سخرية أو توبيخ إذا عبّر عن يأسه؟
وإذا كان الفقر سابقاً دليلاً على فشل السلطة
فلماذا أصبح اليوم مسؤولية الفقير وحده؟
أليس من حق المواطن أن يسأل:
من المسؤول عن المرتبات المتوقفة؟
ومن المسؤول عن تراجع الاقتصاد؟
ومن المسؤول عن البطالة وانعدام فرص العمل؟
ومن المسؤول عن أن يصل إنسان إلى مرحلة يشق فيها ثوبه من شدة اليأس؟
إن مطالبة الناس بالعمل ليست خطأ
فالعمل قيمة عظيمة
وقد قال رسول الله ﷺ:
"ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده."
لكن الواجب على من يحكم الناس أن يوفر لهم البيئة التي تمكنهم من العمل وأن يزيل العقبات التي تمنعهم من كسب رزقهم
لا أن يحمّلهم وحدهم نتائج أزمات معقدة هو جزء من مسؤولية معالجتها.
وقد وضع القرآن الكريم هذا المبدأ بوضوح:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
وقال سبحانه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾
وقال رسول الله ﷺ:
"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته."
أما الإمام علي الذي كثيراً ما يُستشهد بسيرته فقد كتب إلى مالك الأشتر:
"وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم."
فالحاكم في مدرسة علي ليس من يوبخ الناس إذا جاعوا ولا من يسخر من شكواهم بل من يشعر أن جوعهم مسؤولية
وأن كرامتهم أمانة وأن آلامهم دين في عنقه.
إن أخطر ما يصيب أي مشروع سياسي ليس أن يخطئ بل أن يتحول إلى النقيض مما كان يرفعه من شعارات.
فالشعار الذي كان بالأمس:
"عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه."
أصبح اليوم في نظر كثير من الناس:
"اذهب وابحث عن عمل ووفر قيمة باقة الإنترنت."
وما بين الشعارين لا يقف اختلاف في الكلمات فحسب
بل تقف مسافة شاسعة بين المعارضة والسلطة وبين التعاطف مع الناس وتحميلهم وحدهم ثمن المعاناة.
فالتاريخ لا يحاسب السياسيين على ما قالوه وهم خارج السلطة وإنما على ما فعلوه عندما أصبحت حياة الناس وأرزاقهم بين أيديهم.
✍️ أ . حميد القهالي
كاتب وباحث يمني