٣٠ نوفمبر: من الجلاء إلى السقوط
لماذا لم تنجح الثورات اليمنية في بناء وطن كريم؟
٣٠ نوفمبر… تاريخان داخل تاريخ واحد: يومٌ طرد فيه اليمنيون آخر جندي للمستعمر من عدن، ويومٌ بدأ فيه سقوطٌ طويل لوطنٍ لم يستطع أن يحمل حلمه حتى النهاية.
منذ ذلك اليوم، وقبلها ثورات: 1962 في الشمال، 1963 في الجنوب وما تلى ذلك من ثورات ومآسي، 1994، 2011، 2014، ثم الحرب المفتوحة حتى الآن… لكن السؤال الجارح يبقى نفسه:لماذا كان كل انتصارٍ عسكري بدايةَ هزيمةٍ وطنية؟
لأننا –ربما– لم نكن نثور لبناء دولة، بل لخلع حاكمٍ واستبداله بآخر. لم نكن نبحث عن مشروعٍ جامع، بل عن غلبةٍ لطرفٍ على طرف.
كان يمكن للثورة أن تكون جسراً إلى المستقبل، لكنها تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات. كل طرف رفع شعار الحرية، ثم حين وصل إلى السلطة بدأ يخشى الحرية.
تلك كانت المأساة: الثورات اليمنية أسقطت أنظمة، لكنها لم تُقِم دولة. طردت المستعمر، لكنها لم تطرد الاستبداد. غيّرت الوجوه، لكنها لم تُغيّر القيم.
لو كانت لدينا فكرة مشتركة عن معنى الوطن، عن شكل الإنسان الذي نريد أن نصنعه، عن الكرامة التي لا تُمنح بقرار ولا تُصادَر بقانون، لربما كان الطريق مختلفًا.
لكن الوطن تمزّق لأن كل طرف حاول أن يصنعه على صورته، لا على صورة الإنسان الذي يعيش فيه.
اليوم، بعد عقود من الانقلابات والحروب، يضطر اليمني أن يسأل نفسه بصدق: هل كانت مشكلتنا في الحكّام؟ أم في أننا لم نتفق يوماً على ما نريد أن نحكم به؟
٣٠ نوفمبر ليس ذكرى جلاء المستعمر فقط، بل ذكرى سؤالٍ لم نجرؤ على مواجهته: هل نريد وطنًا نتقاسم خدمته؟ أم غنيمةً نتقاسمها؟
ذلك هو الفارق بين الثورة الناجحة والثورة التي تبتلع أبناءها.
لن يبني اليمن وطنًا كريمًا إلا يوم يصبح السؤال: كيف نخدم الوطن؟ بدل أن يكون: من يحكم الوطن؟
أ. نجم الدين الرفاعي
كاتب وباحث يمني