قراءة واقعية للمشهد اليمني
في سياق القضية اليمنية، لا يمكن فهم مسار التدخل السعودي-الإماراتي منذ انطلاق ما سُمّي بـ«عاصفة الحزم» بمعزل عن حقيقة أساسية، وهي أن هذا التدخل لم يكن فعلًا طارئًا أو استجابة ظرفية، بل قام منذ بداياته على اتفاق وتفاهم عميقين بين الرياض وأبوظبي حول إدارة الحرب وتوظيفها سياسيًا وأمنيًا.
لم يكن الهدف استعادة الدولة اليمنية أو تمكين مؤسساتها، بقدر ما كان السعي المنهجي إلى إنهاك اليمن وتفكيك بنيته المؤسسية، تمهيدًا لإخضاع قراره السيادي والتحكم بمساراته المستقبلية.
منذ السنوات الأولى، اتجه التدخل إلى ضرب جوهر الدولة اليمنية، لا عبر المواجهة مع الانقلاب فحسب، بل من خلال تدمير ممنهج للمؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية، وعلى رأسها الجيش الوطني.
جرى تفريغ هذه المؤسسات من مضمونها، وتشظية بنيتها، وخلق بدائل موازية خارج إطار الدولة، بما يضمن بقاء الملفين الأمني والعسكري في قبضة الخارج، لا في يد اليمنيين أنفسهم.
وهنا برز بوضوح نمط «تبادل الأدوار» بين السعودية والإمارات؛ حيث تتقدم إحداهما خطوة وتتراجع الأخرى، تبعًا للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، دون أن يتغير جوهر المشروع أو أهدافه النهائية.
لقد أتقنت الرياض وأبوظبي لعبة توزيع الأدوار: إحداهما تتصدر المشهد السياسي والدبلوماسي، والأخرى تتولى العمل الميداني عبر أدوات محلية مُصنَّعة، من مليشيات وتشكيلات مسلحة، يجري دعمها وتمويلها خارج أي إطار وطني جامع.
هذا التبادل لم يكن عفويًا، بل جزءًا من مخطط أوسع لتفتيت اليمن، وتحويله إلى كيانات ضعيفة ومتخاصمة، يسهل التحكم بها وتقاسم النفوذ على جغرافيتها وموانئها وثرواتها بعد إنهاكها الكامل.
وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن «تخلٍ إماراتي» عن بعض أدواته، وعلى رأسها المجلس الانتقالي، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تراجعًا عن المشروع أو اعترافًا بالفشل.
فالأموال التي أنفقتها الإمارات على مدى عشر سنوات، وبنت بها شبكات نفوذ عسكرية وأمنية واقتصادية، لم تكن استثمارًا عابرًا يمكن التخلي عنه بقرار سياسي مؤقت.
ما يحدث هو إعادة تموضع وتعديل في الأساليب، لا تغيير في الغايات. فالمشروع ما زال قائمًا، وإن تبدلت أدواته أو أعيد ترتيب أولوياته.
أمام هذا المشهد المعقد، تصبح القضية اليوم مسؤولية تاريخية تقع على عاتق القوى الوطنية اليمنية، التي لم يعد أمامها ترف سوء التقدير أو الاطمئنان لتدخلات الجيران غير النزيهة.
المطلوب قراءة واقعية وعميقة للمشهد، تتجاوز الرهانات الخاسرة على الخارج، وتدرك أن أي تدخل لا ينطلق من احترام السيادة اليمنية لا يمكن أن يكون طريقًا للإنقاذ، مهما رفع من شعارات.
إن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء تحالف وطني يمني واسع، مستقل الإرادة، بعيد عن الوصاية، قادر على استعادة المبادرة وامتلاك القرار السيادي.
تحالف يعيد تعريف العلاقة مع دول الجوار على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على قاعدة الهيمنة والتدخل والتعدي على السيادة الوطنية.
وحده هذا المسار، القائم على وحدة الصف الوطني واستعادة الدولة، يمكن أن يفتح طريقًا حقيقيًا لخلاص اليمن من حرب الاستنزاف، ويضع حدًا لمشاريع التفتيت والتقاسم التي لم تجلب لليمنيين سوى الدمار والتمزق.
د. عمر العودي