المليشيا والقبيلة في اليمن
سُئلت في إحدى المرات التي كنت فيها ضيفا على إحدى القنوات عام 2012 تقريبا عن سلوك جماعة الحوثي المسلحة، وهل يمكن أن تكون حركة سياسية بنهج مدني،
فكان ردي أن ذلك مستحيل لأن مشروعها غير مقنع لكل ذي عقل، ولذلك فهو يتجه إلى الاعتماد على السيف بدل التأثير والإقناع، وحين تتم تربية أبتاع وفق ذلك فلا بد أن توجد لهؤلاء قضايا كي تحشدهم ويظلون على الولاء لها،
أما غير ذلك فإن أتباعها سوف يتحولون إلى أدوات إيذاء للجماعة نفسها نظرا لعدم وجود أعمال يقومون بها.
وعليه فإنه يستحيل على المليشيا أن تعيش خارج أجواء الحروب والتحشيد لها، ولا يمكن أن تقدم مشروعًا سياسيًا أو تنمويًا قادرًا على إقناع الناس، وإلا لكانت أعلنت عن إنشاء حزب سياسي في إطار التعددية المتاحة وفق النظام والقانون،
ولكانت- ربما- حققت مكاسب من نوع ما خاصة في ظل من يجهلون خلفياتها العقدية والتاريخية وشعاراتها المضللة لاستقطاب البسطاء.
وفي هذا الإطار وتبعا لطبيعة مشروعها، فإنها تلجأ دائمًا إلى البحث عن عدو، بل وتصنع أعداء لتفتعل معاركها، وترفع شعاراتها لتسوق الناس خلفها؛
فمنذ سيطرتها على صنعاء، أحكمت قبضتها على الناس بقوة السلاح، وساقت عشرات الآلاف من الشباب إلى الجبهات تحت عناوين متعددة؛ من قبيل مقاومة الحكومة الفاسدة، وتطهير البلاد من العملاء، ومواجهة ما تسميه العدوان، ومقاومة أمريكا وإسرائيل، الدفاع عن الوطن، وحماية السيادة، مساندة غ ة.. إلخ.
وعلى الرغم من توقف الحرب بين الحكومة والمليشيا بدعم التحالف العربي عام 2022، إلا أن المليشيا ظلت تحشد القطيع مستغلة كل المنابر- رغم تراجع المستجيبين لدعواتها-
ثم جاءت الضربات الأمريكية التي دمرت البنى التحتية، وأحدثت أضرارا كبيرا بها، وبالبنية التحتية لإمكانات المليشيا مثل بعض مخازن الأسلحة، ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيرات، وهذا ما منحها فرصة لحشد البسطاء لمواجهة أمريكا التي تبعد عن صنعاء أكثر من أحد عشر ألف كيلو متر،
إضافة إلى أن مصالحها في المنطقة لم تتضرر، فضلا عن سفنها وحاملات الطائرات، ومثل ذلك حشدت تحت شماعة مواجهة عمليات حارس الازدهار، وقضية غـ ـزة.
تلك الأحداث منحت المليشيا مادة دعائية جديدة، وحين توقف كل ذلك، قلّت مبررات حشد اليمنيين وراء تلك تلك القضايا (الدعائية) التي استثمرتها لتغطية عجزها الداخلي، وتدهور حياة الناس، وانعدام الخدمات، وارتفاع معدلات الفقر، وانقطاع المرتبات، وتعدد الجبايات التي يجدون لها أبوابا عديدة، لا تخطر على بال،
حينها بدأ تأثير الشعارات يضعف، حينها وجدت الجماعة نفسها أمام مجتمع مرهق، ومواطنين مخنوقين يطالبون بحقوقهم، وقبائل بدأت تتململ من واقعها،
وهنا رأت المليشيا أن تسمح بإثارة الخلافات، والسماح بإثارتها بين القبائل المختلفة، بغرض إلهائهم عن الواقع المر الذي يعيشونه، ولكي يكون فرصة للاسترزاق من تلك الخلافاتهم من خلال تدخلات عناصرها لحل تلك المشكلات وجني عائدات منها، وليحلوا محل وجهاء عقلاء غادروا مناطقهم، أو ظلوا فيها لكنهم مهمشين مقيدي الحركة،
ومن هنا نرى خلافات كثيرة نشبت في عدة مناطق بين القبائل وبعضها البعض، كما حصل بين خارف وأرحب، وفي العصيمات، وعذر والعبيسة حجور، وبني دواد وغيرها.
إنها معارك أيضا لكنها ليست في مواجهة مباشرة مع الجيش اليمني الذي يسعى لتحريرهم من العصابة، ولا تحت أي لافتة مما سبق ذكره؛ بل معارك في المجتمع نفسه، ل(يفرّغ) المتحمسون لل حروب طاقاتهم، ولغرض تفتيت القبيلة، وتوسيع دائرة الخلافات، وإحياء الثارات، وتحويل أنظار الناس من معاناتهم الحقيقية إلى صراعات جانبية تستنزفهم وتضعف وحدتهم،
وفي الوقت نفسه يمثل ذلك امتدادا لسياسة أجداد عبد بدر، حيث يقول عبد الله بن حمزة:
فلأضربن قبيلة بقبيلةٍ
ولأحرقن بيوتهم بالنارِ
إن تلك الخلافات تضرب النسيج الاجتماعي اليمني، وتضعف البنى القبلية التي ظلت عامل توازن وحماية للمجتمع في كثير من المراحل، وتُبقي الناس في حالة صراع لا يتوقف، كي لا يلتفتوا إلى جوعهم، ولا يسألوا عن حقوقهم، ولا يتجوهون لاستعادة دولتهم.
د. علي عرجاش
وكيل وزارة التعليم العالي