رجل من الجزائر أبكى اليمنيين..ببكاءهِ. فما القصة؟
من الجزائر إلى اليمن... دمعة واحدة اختصرت ألف خطاب وأثبتت معنى العروبة والإنتماء....
أيها الرجل القادم من الجزائر...
قل لنا بالله عليك، ماذا رأيت في تلك اللحظة حتى انهار قلبك هكذا؟ ما الذي مرّ أمام عينيك وأنت تغطي وجهك بكفيك المرتجفتين؟ أكانت مباراةً فقط؟ لا... والله لم تكن مباراة. كانت سنوات كاملة من التعب والخذلان والصبر والرجاء تتزاحم في صدرك دفعةً واحدة. كان عمرٌ طويل من الكفاح يخرج من عينيك على هيئة دموع. وكان وطنٌ كامل يمر أمامك كالشريط الأخير من الحكاية.
حين وضعت يديك على وجهك لم تكن تحاول إخفاء دموعك عن الناس، بل كنت تحاول أن تحتوي في قلبك كل ما عشته في هذه الرحلة. وفي اللحظة التي أغمضت فيها عينيك، بدا كأن العالم كله اختفى من حولك، وبقيت وحدك مع ذكريات الطريق الطويل. ارتعش جبينك، وانكمشت ملامحك، وتكسرت على وجهك كل السدود التي يبنيها الرجال حول مشاعرهم. ثم انحنى رأسك، لا انحناء مهزوم، بل انحناء فارس أنهكته المعارك وأثقلته الأحلام حتى إذا وصل إلى النهاية لم يجد إلا الدموع لغةً يعبّر بها عن امتلاء قلبه.
يا ابن الجزائر...
لو كانت الدموع تتحدث لسمعنا في تلك اللحظة هدير صحارى الجزائر وهي تعانق جبال اليمن، ولرأينا البحر الأبيض المتوسط يمد ذراعيه إلى بحر العرب، ولشاهدنا الخرائط العربية كلها تتلاشى لأن دموعك اختصرت المسافات التي عجزت آلاف الخطب عن اختصارها. يا الله... كم كان عربيًا ذلك البكاء. كم كان أصيلًا. كم كان نقيًا. حتى خُيّل إلينا أن المحيطات تكسرت بين البلدان، وأن الحدود ذابت تحت قدمي رجل لم يولد يمنيًا لكنه أحب اليمن كما لا يحبها إلا أبناؤها.
أيها المدرب النبيل...
هل تتذكر أول يوم وصلت فيه؟ هل تتذكر حجم الشكوك التي أحاطت بك؟ وحجم الكلمات القاسية التي ألقيت في طريقك؟ هل تتذكر أولئك الذين كانوا ينتظرون سقوطك أكثر مما ينتظرون نجاحك؟ أولئك الذين لم يعرفوا من كرة القدم إلا النتيجة، ولم يفهموا من البناء إلا لحظة الحصاد، ولم يدركوا أن الأشجار العظيمة تحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تثمر؟
لم يروا ما رأيته أنت.
لم يروا لاعبين يحملون وطنًا بأكمله فوق أكتافهم بينما تنقصهم أبسط الإمكانيات. لم يروا رجالًا يدخلون الملعب بقلوبٍ مليئة بالإيمان وأيديهم خالية من كثير من الحقوق التي تُمنح لغيرهم. لم يروا منتخبًا يبحث أحيانًا عن أبسط ما تملكه المنتخبات الأخرى من استقرار ومعسكرات وتجهيزات ودعم. لم يروا ليالي القلق، ولا لحظات الإحباط، ولا الأحلام التي كانت تُبنى وسط ظروف كان يمكن أن تكسر أقوى العزائم.
لكنّك رأيت كل ذلك.
رأيت التعب المختبئ خلف الابتسامات. رأيت الخيبة المختبئة خلف الإصرار. رأيت اللاعبين وهم يقاتلون من أجل علمٍ على صدورهم أكثر مما يقاتلون من أجل أي مكافأة أو امتياز. رأيت رجالًا يرفضون الاستسلام لأنهم يعرفون أن خلفهم شعبًا كاملًا ينتظر منهم نافذة صغيرة من الفرح وسط سنوات طويلة من المعاناة.
ولهذا بكيت.
لأنك وحدك تعرف كم كان الطريق طويلًا.
تعرف كم مرة سقط الحلم ثم نهض.
وكم مرة أوشك الأمل أن يغرق ثم سبح من جديد.
وكم مرة وقفتم جميعًا على حافة اليأس ثم عدتم لتقولوا: سنحاول مرة أخرى.
ولهذا لم تكن دموعك دموع فرح فقط، بل كانت دموع نجاة. كانت دموع رجل خرج من تحت ركام السنوات وهو يحمل الحلم بين ذراعيه حتى أوصله إلى بر الأمان.
أما أنتم يا أبطال اليمن...
فما كان تأهلكم مجرد بطاقة عبور إلى كأس آسيا، بل كان شهادة حياة. كان إعلانًا صريحًا أن الشعوب العظيمة لا تحتاج دائمًا إلى الظروف المثالية كي تصنع المعجزات. يكفيها أن تؤمن. أن تصبر. أن تتمسك بالحلم حين يتركه الآخرون. أن تقف حين يسقط الجميع. أن تواصل السير ولو كانت الطريق كلها أشواكًا.
وأما لبنان...
فيا لبنان العزيز، يا شقيق الروح والقلب، والله ما فرحنا إلا والتفتت قلوبنا إليك. وما رأينا حزن لاعبيك إلا وشعرنا بشيء منه. فهذه ليست حربًا بين إخوة، ولا معركة بين خصوم، بل مباراة بين شعبين يجمعهما أكثر مما يفرقهما. خسر المنتخب اللبناني نتيجةً في الملعب، لكنه لم يخسر محبته في القلوب، ولم يخسر احترامه في النفوس، لأن الأخوة الحقيقية لا تهزها تسعون دقيقة، ولا تبددها نتيجة على لوحة.
أيها الرجل القادم من الجزائر...
سيكتب التاريخ أن اليمن تأهل إلى كأس آسيا 2027.
وسيذكر الأهداف والأرقام والأسماء.
لكن هناك شيئًا لن يستطيع التاريخ أن يكتبه كما يجب.
لن يستطيع أن يصف حرارة تلك الدموع.
ولا ارتجافة ذلك الوجه.
ولا ذلك القلب الذي انفجر حبًا لوطن ليس وطنه.
سيكتب المؤرخون أن مدربًا جزائريًا بكى بعد التأهل.
أما نحن فسنرويها بطريقة أخرى.
سنقول إن رجلًا من الجزائر حمل حلم اليمن في قلبه حتى أثقلته المحبة، وحين وصل الحلم إلى شاطئه الأخير لم يحتمل قلبه كل ذلك الفرح فانفجر باكيًا.
وسنقول إن تلك الدموع لم تكن دموع رجل واحد.
كانت دموع لاعب حُرم كثيرًا ولم يستسلم.
ودموع أم يمنية انتظرت الفرح طويلًا.
ودموع طفل رفع علم بلاده وهو يظن أن الأحلام مستحيلة.
ودموع شعب كامل اشتاق إلى لحظة يبتسم فيها من أعماقه.
وسنقول أيضًا إن الجزائر كانت تبكي من عينيك، واليمن كان يبكي في قلبك، ولبنان كان حاضرًا في الدعاء والاحترام، وإن تلك اللحظة لم تكن انتصار منتخب على منتخب، بل انتصار الإنسانية على القسوة، والإخلاص على التشكيك، والأمل على كل أسباب اليأس.
أما دموعك يا ابن الجزائر...
فلم تسقط على وجنتيك فقط.
لقد سقطت في قلوب الملايين. وبقيت هناك. لأن الرجال العظماء لا يخلدهم ما يحققونه من انتصارات فحسب، بل يخلدهم ذلك الصدق النادر الذي يجعل أمةً كاملة ترى نفسها في دمعة واحدة خرجت من عين رجل شريف.
وإذا وصلت هذه الكلمات يومًا إلى أبطال اليمن، إلى أولئك الرجال الذين قاتلوا من أجل العلم حين كانت الظروف أقسى من الأحلام، فاعلموا أنكم لم تمثلوا منتخبًا فقط، بل مثلتم كرامة شعبٍ كامل، وأعدتم إلى قلوب الملايين شيئًا من الفرح الذي افتقدوه طويلًا.
وإذا وصلت إلى المدرب الجزائري القدير نور الدين ولد علي، فاعلم يا سيدي أن دموعك لم تمر أمامنا كدموع عابرة، بل مرت كدرسٍ عظيم في الوفاء والانتماء والإنسانية. لقد أثبتَّ أن الرجال لا تُقاس عظمتهم بعدد المباريات التي يفوزون بها، بل بصدق المشاعر التي يحملونها، وبالأثر الذي يتركونه في قلوب الناس.
من اليمن إلى الجزائر...
شكرًا لأنك لم تكن مدربًا فقط.
شكرًا لأنك كنت أخًا.
شكرًا لأنك كنت قلبًا عربيًا كبيرًا، حمل حلم اليمن كما لو كان حلم وطنك.
أما أنتم يا أبناء اليمن، فاحفظوا هذه اللحظة جيدًا، فليست كل الانتصارات تُخلّدها الكؤوس، وبعض اللحظات تصبح جزءًا من ذاكرة الأوطان إلى الأبد.
وإن لامست هذه الكلمات قلبك، فلا تتركها هنا...
أوصلوها إلى لاعبي منتخب اليمن، وأوصلوها إلى المدرب نور الدين ولد علي. دعوهم يعلمون أن خلف هذا التأهل شعبًا كاملًا يصفق لهم من قلبه، وأن خلف تلك الدموع ملايين العرب الذين رأوا فيها معنى الأخوة والوفاء والإنسانية.
شاركوها بكل فخر... ليس لأنها تتحدث عن مباراة، بل لأنها تتحدث عن رجالٍ أثبتوا أن الأحلام يمكن أن تولد حتى من قلب المعاناة، وأن دمعةً صادقة قد تكون أعظم من ألف انتصار.
✍️أ. محمد صالح