حل المجلس الانتقالي .. تمهيد لحوار جنوبي في الرياض بلا كيانات
أسبوع واحد فقط فصل بين إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال عن "الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي" والانتكاسات التي لحقت به سياسياً وعسكرياً جراء تصعيده في المحافظات الشرقية ورفضه التجاوب مع دعوات الانسحاب، وصولاً إلى إعلان قيادات فيه اليوم من الرياض حلَّه
في خطوة بدا واضحاً أنها تهدف إلى تذويبه قبل تحديد موعد المؤتمر الجنوبي وسط مؤشرات على أن المشاركة فيه ستقتصر على شخصيات لا كيانات.
لكن إعلان الحل، الذي شاركت فيه قيادات وازنة من المجلس، على رأسهم نائبا رئيس المجلس الانتقالي عبد الرحمن المحرمي، وأحمد سعيد بن بريك، إلى جانب الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، عبد الرحمن الصبيحي،
بدا أنه آخر فصول طي صفحة رئيس "الانتقالي" عيدروس الزبيدي الذي أعلن التحالف العربي أنه فر من اليمن واتجه إلى أبوظبي مروراً بأرض الصومال،
في وقت سارعت قيادات في المجلس من معسكر الزبيدي إلى الحديث عن أن إعلان الحل جاء تحت الضغط، وسط تعويل على تحركات في الشارع غداً، ولا سيما مع دعوات لخروج أنصار الانتقالي في المكلا وعدن.
في موازاة ذلك، برز حرص يمني رسمي وكذلك سعودي على الترحيب بقرار الحل وفصله عن مسار معالجة القضية الجنوبية وسط مؤشرات على أن التمثيل في الحوار الجنوبي الجنوبي سيكون عبر شخصيات جنوبية لا كيانات.
سجال بيان حل المجلس الانتقالي الجنوبي
وأعلن أعضاء في المجلس الانتقالي والهيئات التابعة له، في بيان مصور تلاه الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، عبد الرحمن الصبيحي، حل المجلس "استعداداً للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض"،
مؤكداً "عدم تحقيق المجلس الأهداف المرجوة منه".
ووفق البيان الصادر ، فقد أكد الموقعون على حلّ المجلس، أنهم لم يشاركوا في قرار العملية العسكرية بحضرموت والمهرة، لافتين إلى أن تلك العملية أضرت بالقضية الجنوبية.
وقال البيان، إن الأعضاء يأملون أن يجري التوصل في مؤتمر الرياض "إلى رؤية وتصور لحل قضية الجنوب"، داعين مختلف الشخصيات والقيادات الفاعلة للانخراط في مسار الحوار.
ورحب مجلس الشورى اليمني، في بيان، بإعلان حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، وما تضمنه الإعلان من توجه نحو العمل والتهيئة لانعقاد مؤتمر جنوبي شامل تحت رعاية السعودية.
وظهرت التناقضات في بيان المجموعة التي أعلنت حل "الانتقالي" والتي نفضت يدها من التطورات في حضرموت والمهرة، إذ إن نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي أحمد سعيد بن بريك هو من عتاة المتشددين في المجلس،
وكان دعا، في بيان أخيراً، القيادة الجنوبية إلى "إعلان التعبئة العامة ومواجهة الغزو القادم" إلى حضرموت.
كما ظهر بين الحضور فادي باعوم الذي كان من أشد المدافعين عن تصعيد المجلس الانتقالي الجنوبي.
وفي مؤشر على الانقسام داخل المجلس، نفى المتحدث باسم المجلس أنور التميمي حلّه، مؤكداً أن القرارات المتعلقة بـ"الانتقالي" لا يمكن اتخاذها إلّا من المجلس بكامل هيئاته وبرئاسة الرئيس.
وأضاف في منشور عبر "فيسبوك": "سيجري ذلك فور الإفراج عن وفد المجلس الانتقالي الجنوبي الموجود في الرياض"، مؤكداً أن المجلس سيواصل التعاطي الإيجابي والبنّاء مع المبادرات السياسية كافّة، بما يتيح لشعب الجنوب تقرير مستقبله.
وقال التميمي : "ننتظر عودة وفدنا من الرياض ، وحينها ستنجلي الحقيقة".
وفي مؤشر على تعويل تيار رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي على تحرك في الشارع اليوم السبت، لفت التميمي إلى أن الجمعية الوطنية الجنوبية دعت في بيان لها عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مليونية السبت، معتبراً أن الناس ستعبّر عن نفسها تلقائياً.
وشدّد على أنّ "التعبير العفوي متروك للجماهير، أما التعبير السياسي فسيعبّر عنه المجلس الانتقالي وكل القوى الجنوبية الملتزمة بقضية شعب الجنوب".
وكان التميمي، الموجود في أبوظبي، وصف، في تصريح لوكالة فرانس برس، خبر الحل بأنه "مثير للسخرية".
في المقابل، أعلنت غرفة عمليات محافظة عدن، في تعميم، منع إقامة أي تظاهرات أو تجمّعات أو فعاليات جماهيرية خلال الفترة الحالية. واستند التعميم لتوجيهات المحرمي؛ محافظ عدن ورئيس اللجنة الأمنية في المدينة، "بدافع الحفاظ على الأمن والاستقرار"
محذراً من أن "أي مخالفات ستُقابل بإجراءات قانونية رادعة".
واعتبر نائب رئيس هيئة رئاسة المجلس الانتقالي هاني بن بريك، على منصة إكس، أن "ما يجري مهزلة سياسية يشهدها العالم. الإكراه موجب للعذر في قول كلمة الكفر، فكيف بما هو دون الكفر من إعلان قرار سياسي تحت الضغط والإكراه لفريق المجلس الانتقالي المكبل بقيود الإقامة الجبرية".
كما برزت اليوم إعلانات للهيئات التنفيذية للمجلس في أكثر من مدينة ترفض إعلان الحل، بما في ذلك من الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظتي الضالع وشبوة.
في المقابل، نفى جابر محمد، مدير مكتب نائب رئيس "الانتقالي" عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة)، اليوم أي ضغوط، قائلاً عبر حسابه على منصة إكس: "كنتُ موجوداً في لقاء اليوم الذي أُعلن فيه حلّ المجلس الانتقالي بكل هيئاته وأجهزته.
وقد وجدت قيادات المجلس الانتقالي المنحل في حالة من الهدوء، حيث تحدّث البعض خلال الجلسة بأن المجلس قد انحرف عن أهدافه، وقاد البلاد والشعب إلى الكارثة.
وأقولها بكل أمانة: لم تُمارس أي ضغوط على أي طرف، وكان الجميع مقتنعاً قناعة تامة بأن حل المجلس هو الحل الأمثل في هذه المرحلة".
وأضاف أن "القضية الجنوبية ستظل قضية عادلة، ثابتة في مبادئها، ومتمسكة بخيار السلمية، وبعيدة عن لغة العنف والسلاح. ومن هنا تأتي أهمية مؤتمر الحوار الجنوبي برعاية السعودية، التي ترعى حواراً مفتوحاً يضم كافة أبناء الجنوب، مع ضمان تنفيذ مخرجاته.
والمطلوب اليوم هو عدم الانجرار خلف الشعارات الكاذبة، وتحكيم العقل، واعتماد لغة الحوار، والعمل على ترسيخ قيم التصالح والتسامح بين أبناء الجنوب".
مؤتمر الحوار بمشاركة شخصيات جنوبية
من جانبه، قال وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان: " لقد كان القرار الذي اتخذته الشخصيات والقيادات الجنوبية بحل المجلس الانتقالي قراراً شجاعاً، حريصاً على مستقبل القضية الجنوبية، وتشجيعاً لمشاركة باقي أبناء الجنوب في مؤتمر الرياض خدمة لقضيتهم".
وأكد في منشور عبر منصة إكس، أنه "أصبح لقضية الجنوب مسار حقيقي ترعاه المملكة، ويدعمه ويؤيده المجتمع الدولي عبر مؤتمر الرياض، الذي نسعى من خلاله لجمع إخوتنا أبناء الجنوب، لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة بما يلبي إرادتهم وتطلعاتهم".
وأشاد وزير الدفاع السعودي "بدور المجتمع الدولي في دعم جهود السلام والحوار"، مشيراً إلى أن المؤتمر يمثل فرصة حقيقية لتحقيق حلول عملية ومستدامة، بما يضمن مشاركة جميع الأطراف الجنوبية في رسم مستقبلهم السياسي والاقتصادي، وتجاوز الانقسامات السابقة التي عطلت مسيرة التنمية والاستقرار.
وتابع: "ستشكل المملكة لجنة تحضيرية بالتشاور مع الشخصيات الجنوبية، للإعداد للمؤتمر الذي ستشارك فيه شخصيات جنوبية من كافة محافظات الجنوب دون إقصاء أو تمييز، وستدعم المملكة مخرجات المؤتمر ليتم طرحها على طاولة حوار الحل السياسي الشامل في اليمن".
وجدد أن المملكة "ستظل ملتزمة برعاية حقوق أبناء الجنوب ومصالحهم، وستواصل دعم كل الجهود المبذولة لضمان تحقيق تطلعاتهم في إطار حل سياسي عادل ومستدام، يعزز السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة بأسرها".
إلى ذلك، تدرك قيادات في المجلس الانتقالي أن عملية تفكيكه لن تقتصر على الشق العسكري أو السياسي بل أيضاً ستشمل بنيته الاقتصادية، خصوصاً بعدما وضع المجلس في السنوات الأخيرة يده على الإيرادات في عدن وسط اتهامات بالفساد والنهب كانت تطاول قيادات فيه.
وبحسب مصدرٍ خاص مقرّب من تيار عيدروس الزبيدي، فقد بدأت خطواتٌ عملية لمتابعة الأصول والأموال، ولا سيما تلك التي برزت بعد عام 2016، ثم عقب إعلان المجلس الانتقالي في 2017، والتي يُعتقد بوجود ارتباط مباشر لها بالمجلس.
ووفق الأسماء ، تشمل هذه الشبكة مصرفين إلى جانب شركتين ماليتين تمدّدتا في عدن خلال السنوات الماضية، وفرضتا سيطرتهما على جزء واسع من القطاعات المصرفية وغير المصرفية،
فضلاً عن التحكم في استيراد وتوزيع الوقود وغيرها من القطاعات، التي كانت قد أعلنت، في الآونة الأخيرة، دعمها للمجلس الانتقالي، قبل تسارع التطورات، وتكبّده خسائر عسكرية، ثم فرار رئيسه، وإعلان قيادات فيه حلّه.
فارس الجلال