الإدارة الذاتية للمحافظات اليمنية: تهيئة لبناء الدولة الوطنية
في ظل تعثر المسارات السياسية واستنزاف اليمن في دوائر الصراع الممتدة منذ سنوات، تبدو الحاجة ملحّة للبحث عن مقاربات جديدة تتجاوز الحلول التقليدية التي أثبتت محدودية فعاليتها.
ومن هنا تبرز الإدارة الذاتية للمحافظات بوصفها محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية والمحافظات على أسس أكثر توازنًا وعدالة، بعيدًا عن ثنائية الهيمنة المركزية أو الانقسام السياسي.
ويأتي طرح هذه الفكرة بالتزامن مع التطورات الأخيرة في ملف الأسرى، باعتبارها مؤشرًا أوليًا على إمكانية تحريك الجمود السياسي القائم.
كما أن هذه الرؤية لا تُقدَّم باعتبارها تسوية نهائية للأزمة اليمنية، بل كإطار انتقالي مؤقت يساعد على إدارة الدولة وتخفيف الاختلالات البنيوية، ويفتح المجال أمام حوار وطني أوسع تشارك فيه مختلف القوى والمكونات اليمنية، إلى جانب الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالحل السياسي، بهدف الوصول إلى صيغة وطنية تضمن وحدة البلاد وعدالة الشراكة بين أبنائها.
أعادت التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية، وما رافقها من تمدد نفوذ مجلس القيادة الرئاسي، طرح الأسئلة القديمة المتعلقة بطبيعة الدولة اليمنية وحدود العلاقة بين المركز والأطراف.
ففي الوقت الذي كان يُفترض أن تمثل المرحلة الجديدة فرصة لإعادة بناء التوازن السياسي، بدأت تتشكل مؤشرات تعكس عودة النزعة المركزية بصورة مختلفة، سواء من خلال آليات إدارة السلطة أو طبيعة التعيينات والتحالفات السياسية التي رافقت تشكيل الحكومة الجديدة مطلع عام 2026.
هذا المسار أعاد إلى الواجهة المخاوف التاريخية لدى أبناء المحافظات اليمنية المختلفة، ممن ارتبطت ذاكرتهم السياسية بتجارب طويلة من التهميش وضعف المشاركة في صنع القرار، فضلًا عن اختلال توزيع الثروة والخدمات وفرص التنمية. وقد ساهمت هذه التجارب في ترسيخ شعور واسع بأن الدولة المركزية، بصيغتها التقليدية، لم تنجح في بناء شراكة وطنية متوازنة بين مختلف المحافظات.
ومنذ قيام النظام الجمهوري في الشمال والاستقلال في الجنوب، ثم مرحلة الوحدة اليمنية لاحقًا، اتجهت بنية الدولة تدريجيًا نحو تركيز السلطة والقرار داخل المركز السياسي، بينما تراجع حضور المحافظات في إدارة شؤونها المحلية. وتحولت معايير النفوذ السياسي والإداري، في كثير من الأحيان، من الكفاءة والتمثيل الحقيقي إلى اعتبارات الولاء وشبكات القوة، الأمر الذي عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع في أجزاء واسعة من البلاد.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتجدد المخاوف مع التطورات السياسية الأخيرة، خصوصًا في ظل تصاعد الاستقطابات داخل الجنوب، وعودة بعض أدوات إدارة المجال العام القائمة على فرض التوازنات بالقوة بدلًا من بناء التفاهمات السياسية. وقد أدى ذلك إلى تنامي الإحساس لدى قطاعات واسعة من اليمنيين بأن أي عودة إلى النموذج المركزي التقليدي ستعيد إنتاج الأزمات ذاتها التي ساهمت في تفكك الثقة الوطنية خلال العقود الماضية.
وفي المحافظات الشرقية مثل حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى، كما في محافظات أخرى كالجوف ومأرب وصعدة، لم تعد فكرة الإدارة الذاتية تُنظر إليها باعتبارها مجرد مطلب سياسي عابر، بل باعتبارها وسيلة لحماية المشاركة المحلية وضمان عدم تكرار أنماط الإقصاء السابقة. فهذه المحافظات، رغم أدوارها الاقتصادية والجغرافية المهمة، ظلت لفترات طويلة بعيدة عن التأثير الحقيقي في إدارة الدولة وتوجيه القرار العام.
كما أن قطاعات واسعة من اليمنيين باتت ترى أن إعادة توزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات يمكن أن تسهم في تحسين إدارة الخدمات والأمن والتنمية المحلية، وأن تمنح المجتمعات المحلية قدرة أكبر على التعبير عن احتياجاتها وإدارة أولوياتها بصورة أكثر فاعلية.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الإدارة الذاتية باعتبارها صيغة لتنظيم الدولة لا مشروعًا لتفكيكها؛ فهي تقوم على تعزيز المشاركة المحلية ضمن إطار الدولة اليمنية الواحدة، وتستهدف بناء علاقة أكثر توازنًا بين السلطة المركزية والمحافظات، بما يخفف من الاحتقان السياسي ويعيد بناء الثقة بين المجتمع والدولة.
إن اليمن، في ظل أزماته المتراكمة، يحتاج إلى مراجعة عميقة لطبيعة النظام الإداري والسياسي الذي حكم العلاقة بين المركز والأطراف لعقود طويلة. فإعادة توزيع الصلاحيات والموارد بصورة عادلة قد تمثل مدخلًا ضروريًا لاستعادة الاستقرار ومنع المزيد من التفكك، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.
وبهذا المعنى، فإن الإدارة الذاتية لا تستهدف إضعاف الدولة أو الانتقاص من سيادتها، بل تهدف إلى بناء نموذج حكم أكثر قدرة على الاستيعاب والتوازن، يقوم على الشراكة بدل الاحتكار، وعلى المشاركة بدل الهيمنة. وهي محاولة لإعادة تأسيس العقد الوطني اليمني على قاعدة أوسع من العدالة السياسية والإدارية.
نظريًا، تمتلك اليمن مقومات تسمح بتطوير نموذج متقدم للإدارة الذاتية، إلا أن الظروف الحالية، بما فيها استمرار الانقسام السياسي وتداعيات الحرب، تجعل من أي تحول من هذا النوع عملية معقدة تحتاج إلى توافقات واسعة وضمانات واضحة.
ومن هذا المنطلق، فإن إقرار أي صيغة للإدارة الذاتية للمحافظات يقتضي حوارًا وطنيًا شاملًا تشارك فيه مختلف القوى والمكونات اليمنية، إذ لا يحق لأي طرف أن ينفرد بفرض رؤيته بمعزل عن الإرادة الوطنية العامة. غير أنّ تجارب اليمنيين السابقة مع المؤتمرات والحوارات الوطنية لم تكن مثالية، ولم تُفضِ دائمًا إلى نتائج قابلة للتنفيذ.
لذلك يمكن، بالتوازي مع مسار الحوار أو في حال تعثّره، اعتماد إعلان دستوري مؤقت يتضمن الأسس القانونية ومتطلبات تطبيق الإدارة الذاتية وضماناتها، بوصفه إطارًا انتقاليًا منظمًا يحظى بتوافق وطني، ويحوّل الفكرة من مستوى الطرح السياسي إلى مستوى الحكم القانوني المُلزِم، كإجراء مؤقت إلى أن تُحلّ الأزمة ويستقر وضع البلاد.
ولا تبدو الطريق نحو إعادة بناء الدولة اليمنية سهلة أو مستقيمة، فالتعقيدات السياسية والأمنية المتراكمة تجعل أي مشروع إصلاحي عرضة لاختبارات صعبة. ولهذا فإن أي تطبيق للإدارة الذاتية يجب أن يتم ضمن رؤية مدروسة توازن بين توسيع صلاحيات المحافظات والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها السيادية.
وفي ظل الانقسامات الحادة التي أنتجتها سنوات الحرب، أصبح اليمنيون بحاجة إلى صياغة إطار وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بينهم على أساس المواطنة والشراكة، بعيدًا عن المشاريع القائمة على الإقصاء أو الغلبة السياسية.
إن البديل الحقيقي اليوم ليس بين مركزية مطلقة أو تقسيم كامل، بل بين استمرار نموذج أثبت عجزه، وبين بناء نظام سياسي أكثر مرونة يضمن للدولة وحدتها، ويمنح المحافظات دورًا حقيقيًا في إدارة شؤونها المحلية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الإدارة الذاتية باعتبارها استجابة لثلاث قضايا رئيسة: معالجة اختلال العلاقة بين المحافظات والمركز، وتخفيف أزمة إدارة الدولة في بلد شديد التعقيد والتنوع، وخلق معادلة أكثر عدالة في توزيع السلطة والثروة.
وهكذا، يتحدد فهمنا للإدارة الذاتية على الأسس الآتية: 1- تأكيد وحدة اليمن وطنًا جامعًا لكل أبنائه، عبر تنظيم فعّال للإدارة الذاتية وآلية عادلة لتقاسم الموارد، بما يمنع تغوّل المركز واستحواذه على الثروة، ويضمن توسيع قاعدة المشاركة في الحكم وصنع القرار.
2- تقوم الإدارة الذاتية على استبعاد منح المحافظات صلاحيات إقامة علاقات خارجية أو تشكيل قوات مسلحة أو تبنّي رموز سيادية خاصة بها، وتُحصر وظيفتها في إدارة شؤونها المحلية مثل التعليم والصحة والخدمات والأمن الداخلي، فيما تظل القضايا السيادية، وفي مقدمتها السياسة الخارجية والدفاع والاقتصاد العام، ضمن صلاحيات السلطة المركزية.
3- تُبنى الإدارة الذاتية على أساس إداري جغرافي وفق التقسيم المعتمد للمحافظات، لا على أسس جهوية أو طائفية، انسجامًا مع مبدأ الدولة الوطنية الجامعة.
4- تُعدّ المواطنة أساس الانتماء والحقوق، بحيث لا يُصنَّف الفرد وفق دينه أو مذهبه أو عرقه، وإنما يتمتع جميع المواطنين بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات دون أي تمييز.
وبذلك يمكن أن تتطور بين المحافظات تجارب إدارية وتنموية متعددة، تسمح بابتكار نماذج أكثر كفاءة في إدارة الخدمات والموارد المحلية، مع مراعاة الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية لكل محافظة.
ويمكن بلورة خارطة الطريق القانونية لتطبيق الإدارة الذاتية للمحافظات بالاستناد إلى قانون السلطة المحلية رقم (4) لسنة 2000 وتطويره بما يوسّع صلاحيات المحافظات في مجالات الإدارة والخدمات والموارد المحلية، مع الإبقاء الصريح على الاختصاصات السيادية بيد السلطة المركزية. ويُعاد تنظيم العلاقة المالية بين المركز والمحافظات بقواعد عادلة لتقاسم الموارد، وتُفعَّل آليات الرقابة القضائية والشفافية لضمان وحدة الدولة ومنع التعسف.
كما يُستند في إقرار هذه الصيغة إلى شرعية توافقية وطنية تنشأ عن حوار جامع، أو إلى إعلان دستوري مؤقت يحدد الأسس والضمانات في حال تعثّر المسار التقليدي. ويواكب ذلك بناء مؤسسات محلية منتخبة أو توافقية انتقالية، وتنظيم الأمن الداخلي ضمن إطار وطني موحّد. وبهذا تصبح الإدارة الذاتية مسارًا قانونيًا منظّمًا لا إجراءً سياسيًا. (تجدر الإشارة إلى أن هناك تصورًا موضوعًا بالفعل لخارطة طريق مفصلة لتنفيذ الإدارة الذاتية، سيُطرح للنقاش العام متى ما توفرت الظروف السياسية والوطنية المناسبة).
لقد أظهرت سنوات الحرب حدود قدرة الدولة المركزية بصيغتها الحالية على إدارة اليمن بكفاءة واستقرار، وهو ما جعل مسألة إعادة توزيع الصلاحيات والموارد ضرورة سياسية وإدارية أكثر من كونها خيارًا نظريًا. كما أن منح المحافظات دورًا أكبر في إدارة شؤونها قد يسهم في تعزيز الشعور بالمسؤولية المحلية وتحسين الرقابة المجتمعية على الأداء والخدمات والتنمية.
وإذا أُريد للإدارة الذاتية أن تتحول إلى فرصة حقيقية للحفاظ على وحدة اليمن، فإن نجاحها سيبقى مرتبطًا بوجود إرادة سياسية جادة، وتفاهم وطني واسع، وضمانات تكفل مشاركة مختلف المحافظات والمكونات في صياغة هذا التحول وتنفيذه.
إن اليمن اليوم أمام لحظة مفصلية؛ فإما الاستمرار في إعادة إنتاج الأزمات القديمة بأدوات جديدة، أو الانتقال نحو نموذج أكثر توازنًا يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي هذا الإطار، تمثل الإدارة الذاتية محاولة واقعية لإعادة تنظيم الدولة على أسس المشاركة والعدالة، بما يحافظ على وحدة البلاد ويمنح اليمنيين فرصة لبناء عقد وطني أكثر استقرارًا واتساعًا.
ملاحظة:
*المقال جزء من مشروع بحثي وسياسي أوسع يعمل عليه لإعادة صياغة أسس العلاقة بين المركز والمحافظات في اليمن، بهدف فتح الباب للحوار الوطني المسؤول، بعيدًا عن إرث الصراعات السابقة.
* د. أبوبكر القربي، وزير الخارجية اليمني الأسبق
* د. باسل باوزير، عضو الفريق الاستشاري الدستوري للدعم في اليمن