اليمن بين إرث القبيلة وسجن الوعي
اليمن ليست مجرد جغرافيا، ولا تاريخًا مكتوبًا في أسفار الملوك والسلاطين، بل هي معضلة وعي، وسؤال فلسفي مؤجل منذ قرون.
فما نراه اليوم من تمزق وحروب وفقر ليس وليد اللحظة، بل حصيلة تداخل معقد بين بنية اجتماعية متكلسة، وعوامل تقليدية زرعت في عمق الوعي الجمعي قيودًا أشد صلابة من الحجر.
إن القبيلة في اليمن لم تكن مجرد رابطة دم أو نظام حماية، بل تحولت عبر القرون إلى بنية ذهنية تحدد قيمة الإنسان بمعيار النسب لا بمعيار العقل أو الإنجاز.
هنا، يولد الفرد محكومًا بقبيلته قبل أن يُولد بذاته، محكومًا بالانتماء قبل أن يُختبر في الحرية.
القبيلة في أصلها حماية، لكنها صارت قيدًا:
تحولت من شبكة تضامن إلى جدار يعزل المجتمع إلى جزر متنافرة، لا يجمعها وطن بقدر ما تفرقها ولاءات ضيقة.
ثم تأتي العادات والتقاليد، كطبقات رسوبية فوق وعي الأجيال. في اليمن، العادة ليست مجرد ممارسة اجتماعية، بل قانون مقدس، يعلو على العقل والشرع.
يقال: "هكذا وجدنا آباءنا"، وكأن العقل استقال منذ قرون من مهمة التساؤل.
وما يثير الفجيعة أن هذه العادات لم تكن كلها حكمة أجداد، بل كثير منها كان مجرد انعكاس لعصور جهل وفقر وخوف، لكنها ظلت تتوارث كأنها ميراث مقدس لا يجوز نقده.
أما الطبقية، فقد نسجت خيوطها في المجتمع كخطيئة مستمرة: تقسيم البشر إلى "سادة" و"قضاة" و"قبائل" و"مزاينة"، حيث لا يحدد الإنسان بمقدار إنسانيته بل بمقدار ما تحمله أسرته من لقب اجتماعي.
وهكذا انقسم اليمني على نفسه، وأصبح "الآخر" ليس الأجنبي، بل جاره الذي لا ينتمي إلى طبقته.
هذا الانقسام هو الذي سمح للسلطة عبر التاريخ أن تجد في كل فرد خصمًا لآخر، فتبقى هي المتحكم الأعلى، بينما الشعب مشغول بمعارك وهمية حول "من هو أرفع نسبًا".
ولا يمكن تجاهل المناطقية، تلك الجغرافيا التي تحولت إلى سجن. اليمني لا يرى في أخيه من الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب إلا خصمًا محتملاً، كأن الأرض لم تُخلق لتكون وطنًا جامعًا، بل خطوطًا ترسم حدودًا للوهم والريبة.
ومن هنا سقطت مشاريع الدولة مرارًا، لأن الولاء ظل للأرض الصغيرة لا للوطن الكبير.
ثم جاءت المذاهب لتضاعف الشرخ: زيدي وشافعي، سني وشيعي، وكأن الدين الذي جاء ليوحد صار أداة تقسيم. لم يكن الخلاف مجرد اجتهاد فقهي، بل صار سلاحًا بيد الساسة، ومطية للسلطة، ووسيلة لتكريس الجهل.
فالمذهب في اليمن لم يكن مجرد مسألة لاهوتية، بل أصبح هوية سياسية واجتماعية تصادر الإنسان، وتضعه في خانة مغلقة منذ الولادة.
أما الجهل، فهو الأصل الذي منه انبثقت كل هذه المعضلات. جهل يقدس الماضي دون فهم، ويعبد النص دون تأويل، ويخاف من السؤال أكثر مما يخاف من الجواب.
جهل يجعل الإنسان يحتمي بالقبيلة بدل أن يحتمي بالقانون، ويتمسك بالتقاليد بدل أن يبتكر حلولًا للحاضر، ويعتصم بالمذهب بدل أن يعتصم بالإنسانية.
الجهل ليس مجرد أمية كتابة وقراءة، بل هو أمية وجودية، حيث يغيب الوعي بالذات، ويغيب السؤال الفلسفي الذي يفتح أفق الحرية.
وهكذا، نجد أن المشهد اليمني الحالي – كما كان سابقًا – ليس نتاج أزمة سياسية عابرة، بل هو صورة لتراكم تاريخي من قيود غير مرئية، قيود صنعتها القبيلة والعادة والمذهب والطبقية والمناطقية، فصارت اليمن حبيسة ماضيها أكثر مما هي صانعة لمستقبلها.
لكن الفلسفة تعلمنا أن المأساة تحمل دومًا بذور التحول. فوعي اليمني بمأساته قد يكون بداية خلاصه، وإدراكه لزيف الانقسامات هو الخطوة الأولى نحو بناء وطن لا يقوم على النسب أو العادة أو المذهب، بل على الإنسان بما هو إنسان.
ربما الطريق طويل، وربما الدماء لم تجف بعد، لكن لا خلاص إلا بكسر هذه الأصنام الذهنية، وتحرير الوعي من أسر التاريخ.
فاليمن في النهاية ليست جغرافيا ممزقة، بل سؤال مفتوح: هل يظل الإنسان اليمني أسير القبيلة والمذهب والعادة، أم يجرؤ على أن يكون كائنًا حرًا يصنع ذاته ووطنه؟