كيف يتفنّن الطغاة في صناعة المبررات لجرائمهم؟
في كل عصر، للطغيان حرفةٌ متقنة: وهي أنَّه يُخفي وجهه القبيح بقناعٍ أخلاقي، ويُسوِّق ظلمه على أنه فضلٌ يُحمد عليه.
فأيُّ طاغية لا يحكم بالقوة وحدها، بل بالحيلة أيضًا؛ يفتح باب البطش بيد، ثم يُظهر نفسه باليد الأخرى ممسكًا بمفتاح الرحمة.
تراه يوجّه أجهزته لتعتقل وتبطش بمن تشاء، ثم يُنشئ فريقًا آخر لمراجعة ذلك وإطلاق من اعتُقلوا، فيصفّق الناس له شكرًا لأنه «أفرج» عنهم، وينسون — أنه هو نفسه الجلاد، يمسح دموعًا هو من صنعها بيده، وأنه من سجنهم من البداية ظلمًا.
لكنه صوَّر الموضوع وكأن الطاغية، بإيقاف طغيانه عن الضحية، قد فعل ما يستحق الشكر والثناء، بينما لم يفعل شيئًا.
ويستنزف أموال الشعب ليصنع ولاءاتٍ ويشتري ذممًا، ثم يتركهم في فقرٍ وعوز، ثم يرمي بفتاتٍ من «إكراميات» أو «تبرعات» لحالاتٍ محدودة، فيُصوَّر منقذًا عطوفًا، بينما هو من سلبهم حقهم الجماعي.
هكذا تُدار الخديعة:
تُجزَّأ الجريمة، وتُلمَّع النتيجة، ويُقلب الميزان؛
فيُرى الظلم عدلًا، ويُقدَّم الباطل حقًّا، ويُكافَأ الجلاد لأنه مسح دمعةً صنعها بيده.
إن أخطر ما يفعله الطغيان ليس القمع ذاته، بل إعادة تعريف القيم في وعي الناس؛
فحين يختلط الحق بالباطل، يصبح الاستبداد سلوكًا مألوفًا، ويغدو الوعي أول ضحاياه.
وهكذا يتحايل الطغاة في ظلم الناس وسلب وعي المجتمع، حتى لا يميّز بين الحق والباطل.
إن جهل الشعوب وانعدام الوعي لديها هو ما جعل الضحية تُطبِّل للجلاد، عندما يتوقف عن جلدها ليستعيد أنفاسه، ثم يعاود الجلد من جديد.
ولذا يراهن الحكام الطغاة على تجهيل المجتمعات وتجريف وعيها.
* رئيس المكتب السياسي لحركة الحوثي سابقاً