ثقافة «الهدرة» في اليمن مقابل فلسفة «الانتاج» في الغرب!!
في الوقت الذي يعيش فيه العالم هاجس التنافس التكنولوجي والإنتاجي المحموم، وتتسارع من حولنا الاستقطابات والاستثمارات والمشاريع بأرقام فلكية، تعيش القيادات اليمنية حالة من الفراغ القاتل والفشل المتأصل الذي يبعث على الأسى والوجوم؛ حيث تحول السقوط في فخ الشكليات وصناعة الإنجازات الوهمية إلى ديدن يومي في بلد يقبع في ذيل قائمة الأمم.
إن المشهد الإخباري اليمني الذي نرقبه اليوم يختصر واقعاً مريراً، يجعلني كمواطن يمني أوقن تماماً بأنه لا بد من تغيير هذا المشهد جذرياً حتى يكون لنا مكانٌ بين دول العالم.
ففي حين تضج مواقع التواصل بصور المسؤولين والمستشارين والنواب وهم يتسابقون لالتقاط الصور مع أي سفير يزور اليمن — حتى وإن كان في طريقه إلى التقاعد ولم يعد لوجوده أي ثقل سياسي في بلده —
نرى بالتوازي مع ذلك تكدس القيادات والنخب في الأعراس والمآتم وحفلات إشهار المنظمات أو الورش الثقافية الهامشية ومواقع التواصل، في مشهد يوحي بأن الفشل قد أصابهم بملل قاتل.
هنا، سواء في الداخل اليمني أو في "حكومات الشتات"، تتكرر اللقاءات وتجتر الأحاديث المستهلكة في مجالس وصور دون أدنى رؤية أو مشروع حقيقي على الأرض؛ وكأن الزمن والعمر لا معنى لهما في بلد يُتوقع أن يتجاوز تعداد سكانه مستقبلاً 52 مليون نسمة،
وفي ظل تخبط جماعي، أفقي وعمودي، يجعل من هذه القيادات أشبه بجثة بلا رأس.
وبدلاً من أن تقوم قيادات الدولة بتوجيه المجتمع، وصياغة وعيه نحو الإبداع، وتفجير طاقاته الكامنة نحو الإنتاج، أدت ممارساتهم العشوائية إلى تخبط أفقد المجتمع بوصلته، وجعله عاجزاً تماماً عن بناء مشروع وطني واحد ناجح.
ونتيجة لهذا الفراغ، انصرف الجميع إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لتستنزف الطاقات يومياً في ملاحقة "ترندات" باهتة ومقاطع تافهة لـ "ناشط هنا أو سفيه هناك".
وهنا يكمن الداء؛ إذ لا يمكن لليمن أن يجد طريقه، أو يمتلك فرصه وقراره وسيادته، طالما أن هناك مسؤولين يفتقرون للقدرات والكفاءة والرؤية، وتتحكم في الكثير منهم ليس فقط ثقافة الانتهازية وأنما أيضاً ثقافة الانحناء والتلهف لإبهار أي "خواجة" أجنبي أو مسؤول خليجي، حتى وإن كان رئيس منظمة هامشية لا يربطه ببلادنا صميم عمل أو هدف.
إنها لقاءات ونشاطات لا غاية منها سوى قتل الفراغ، وشراء شعور زائف بالأهمية، والبحث عن "لقطة" وإنجاز وهمي يُنشر على المواقع.
ويكفي أن تتابع منصات التواصل لتعرف أنها أنشطة جوفاء لا معنى لها للمجتمع، لا تصنع رغيف خبز واحد، ولا تخفف من أنين المعاناة.
وعلى الضفة الأخرى من العالم، حيث أعيش، أجد صورة مغايرة تماماً، حيث الوقت يساوي حياة المجتمع ومستقبله. هناك يتجلى الفارق الحضاري الشاسع في عمل كل مفاصل الدولة؛ فلا تجد أحداً إلا وفي رأسه مشروع يخدم مجتمعه.
ولتوضيح الفكرة حول سلوك رجال الدولة هناك، وكيف يبرمجون المجتمع لامتلاكهم أدوات المال ومنظومة القرار القانوني وادوات تعجيل التنفيذ؛ أسرد ما حدث في لقاء جمعني مؤخراً في ألمانيا بأعضاء من الحكومة قبل أيام، وبحضور أكثر من 250 شخصية من كبار مسؤولي الدولة، والشركات، والعقول المفكرة، للاحتفاء بأصحاب 20 مشروعاً إبداعياً قادراً على تغيير الولاية والدولة بأكملها.
وقف ممثل الدولة هنا — وهو وزير المعرفة والطاقة — يتحدث برؤية مغايرة تماماً. كنت أراقب كيف يتحدث بلغة الخطط الحقيقية والبدائل الخلاقة التي تدفع الجميع للمنافسة عبر مشاريع مدعومة، تجعل من الأرض موطناً جاذباً للاستثمارات، وتقنيات المستقبل، والعقول المنافسة، حيث لا يضيع أحد وقته فيما لا يفيد.
خلال هذا اللقاء، أُتيح لي وقتٌ كافٍ لإيصال فكرتي ورؤيتي التقنية للوزير وأعضاء الحكومة ومن تواجد، لخصت فيها التحديات الوجودية الشرسة التي تواجهها ألمانيا اليوم،
وعلى رأسها الصعود التكنولوجي السريع للصين التي حققت بالفعل 85% من أهدافها الصناعية والتقنية.
كما وضعت صناع القرار أمام الثورة القادمة في سوق الروبوتات العالمي، والذي سيتجاوز حجمه 1600 مليار دولار في أقل من 15 عاماً مع وجود نحو 40 مليون روبوت بيننا، وهو ما يتطلب استعداداً تقنياً فورياً لمواكبة هذا التحول الهائل الذي سيغير وجه الصناعة والإنتاج بشكل جذري. إننا نتحدث هنا عن أرقام فلكية ومشاريع تغير مسار البشرية.
ولم تقف الأرقام عند حدود الآلات والاقتصاد، بل امتدت لتشمل الأزمة الديموغرافية المرعبة في ألمانيا وأوروبا؛ حيث أنه بحلول ذلك الوقت ستصل نسبة السكان ممن هم فوق سن الخامسة والستين في ألمانيا إلى 27%، وسيرتفع عدد المصابين بمرض ألزهايمر في هذه الولاية تحديداً من 56 ألف شخص اليوم إلى قرابة 90 ألفاً.
يرافق ذلك عجز حاد في القوة العاملة بقطاع التمريض يبلغ 24 ألف شخص في أقل من عشر سنوات، ناهيك عن الأزمات القادمة في قطاعي الإنتاج واللوجستيات.
هذا كله يهدد بتلاشي القواعد الاقتصادية وحدوث ما يمكن تسميته بـ"الداروينية الاقتصادية" إن لم ننجح سريعاً لابتكار حلول تكنولوجية بديلة تسد هذا الفراغ الوجودي.
أمام هذه التحديات، وجدت نفسي من عقود أمام قطاعات دولة وصناعة يفهمون ويدركون تماماً أن الأفكار والإبداعات هي صمام الأمان للمجتمع، وأن الحلول الحقيقية تأتي عبر التقنيات التي نطورها.
وهذا هو ما يجعلنا نعمل دون انقطاع، لإيماننا بأننا سنغير الواقع ونوجد حلولاً لمشاكل إنتاجية في ألمانيا من خلال ما ننجزه على الأرض.
هنا نعيش وفق القاعدة الذهبية الحاكمة داخل المجتمع الغربي المنتج في أي لقاء: "من يمتلك الحل والعلم والقدرة والمعرفة يتكلم ويرسم ويخطط.. والباقي ينصت وينفذ"؛ احتراماً للوقت ودافعي الضرائب.
هذا الانضباط والوعي الألماني ليس وليد اللحظة؛ فقد التقيتُ هنا سابقاً بالمستشارة الألمانية السابقة في لقاءين، والمستشار "شرودر" في لقاء، ورؤساء الحكومات المحلية والوزراء،
وكنت دائماً أخرج بحسرة وأنا أنظر إلى قيادات اليمن؛ لشعوري بأن عظمة ألمانيا تكمن في قادتها المتعلمين والواعين الذين يتحدثون بلغة علمية ودقيقة،
حيث يحمل كل لقاء هدفاً واضحاً وخطة ترتكز على العمل الفعلي، بعيداً عن العشوائية، والغوغائية، والثرثرة الفارغة، لدرجة تجعلك تحترم عقل المسؤول وتوقن أنه في المكان المناسب تماماً.
أما في اليمن، فالعشوائية والانتهازية هما سيدا الموقف، حيث يرى الكثيرون — مع الأسف — السلطة "غنيمة" لبناء نفوذ الأسرة والقبيلة دون علم أو ثقافة.
تظل مشكلتنا الكبرى أننا لا نُنتج إلا النخب الانتهازية، وثقافة "الفيد" في إدارة الشأن العام؛ نخب تعيد إنتاج السلوك والشخوص أنفسهم، ولن تنجح أبداً في بناء أي مستقبل ولو ظلت على هذا الحال ألف عام.
واخيراً قبل قليل، وأنا في طريقي مغادراً مطعم الجامعة، نظرت حولي فرأيت أعداداً غفيرة من الطلاب القادمين من الهند، وباكستان، وايران والصين، يسيرون بخطى واثقة نحو مختبراتهم وقاعاتهم.
ابتسمت أن المانيا تغير البشر ليبدعوا وتبرمجهم في اعمالهم وسلوكهم، وبيقين تام بأن هذه الشعوب الفقيرة القادمة هي التي ستنهض وتقود العالم من بوابة العلم لان مسؤوليهم عرفوا ماذا يريدون من المانيا والغرب،
بينما قيادات اليمن والعرب يريدون صور معهم وهدرة ويكفي. مجتمعات فقيرة تنطلق واليمن تراوح مكانها؛ والسبب هو كثرة الضجيج، والثرثرة الفارغة، والركض خلف صور لإنجازات لا وجود لها إلا في المخيلة.