
زيادة إنتاج "أوبك+" ورسوم ترامب.. هل تتجه أسواق النفط نحو الاضطراب؟
في سوق النفط، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع القرارات السياسية، يظل إنتاج الخام محوراً رئيسياً في توازن الاقتصاد العالمي، فكل قرار تصدره مجموعة "أوبك+" لا يؤثر فقط على الأسعار، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصادات الكبرى؛ من واشنطن إلى بكين، مروراً بالعواصم الأوروبية.
ووسط هذه المعادلة المعقدة قررت "أوبك+" أخيراً زيادة إنتاج النفط لشهر مايو، وهي خطوة مفاجئة تجاوزت التوقعات، ما أثار تساؤلات حول مستقبل السوق، خصوصاً أن الزيادة بما يعادل ثلاث زيادات شهرية.
وبالتزامن مع هذه التطورات هبطت أسعار النفط بنسبة 3 بالمئة عقب الإعلان عن القرار، متأثرة أيضاً بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية جديدة على الواردات، فكيف ستكون آثار هذه الخطوات؟
قرار أوبك بلس
في خطوة منتظرة منذ عدة أشهر، وافقت دول "أوبك+" (3 أبريل 2025) على زيادة إنتاج النفط، التي كانت مقررة لشهر مايو، إضافة إلى زيادتين شهريتين، حيث عدلت الدول الثماني المشاركة بتخفيضات "أوبك+" إنتاج مايو بمقدار 411 ألف برميل يومياً، بما يوازي ثلاث زيادات شهرية.
وتنقل وكالة "رويترز" عن مصدرين في "أوبك+" قولهما إن اجتماعاً لثمانية وزراء كبار في التحالف سيبقي على سياسة الإنتاج التي تدعو إلى زيادات تدريجية، مع تأكيد الالتزام بالأهداف المتفق عليها.
وأفادت مصادر أخرى أن الإنتاج القياسي في قازاخستان أثار استياء بعض الأعضاء، ما دفع إلى مطالبات بتعويض فائض الإنتاج، وفق الوكالة.
ومن المقرر أن ترفع المجموعة، التي تضم "أوبك" وحلفاء بقيادة روسيا، إنتاج النفط بمقدار 135 ألف برميل يومياً في مايو، في إطار خطة لتخفيف تدريجي لأحدث خفض للإنتاج البالغ 2.2 مليون برميل يومياً، والذي دخل حيز التنفيذ هذا الشهر.
وتأتي هذه الزيادة في ظل تطبيق "أوبك+" تخفيضات إضافية بواقع 3.65 ملايين برميل يومياً حتى نهاية العام المقبل، في محاولة لدعم السوق.
قرار ترامب
وبالتزامن مع هذه التطورات، هبطت أسعار النفط بنسبة 3 بالمئة عقب الإعلان عن القرار، متأثرة أيضاً بإعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فرض رسوم جمركية جديدة على الواردات.
ووقع ترامب، يوم الأربعاء (2 أبريل)، أمراً تنفيذياً بفرض "تعريفات جمركية متبادلة"، تشمل زيادة بنسبة 10 بالمئة على جميع الواردات، مع نسب أعلى لبعض الشركاء التجاريين، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 5 أبريل.
وتأتي هذه المستجدات في وقت يشهد فيه سوق النفط تذبذبات متكررة نتيجة قرارات "أوبك+" المتعلقة بتخفيض الإنتاج منذ عام 2022، حيث أدت سياسات خفض الإمدادات إلى دعم الأسعار في السابق، لكن التطورات الأخيرة تثير تساؤلات حول مستقبل توازن السوق وسط ضغوط الطلب العالمي والسياسات التجارية الأمريكية الجديدة.
تقلبات حادة
يؤكد الباحث الاقتصادي أحمد عيد أن القرار جاء "في وقت حساس يشهد فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة وكبيرة، خصوصاً مع فرض الولايات المتحدة الأمريكية رسوماً جمركية جديدة على الواردات، وهو ما ساهم في هبوط أسعار النفط".
ويضيف، بقوله إن "هذه الزيادة تعزز من الضغوط على مستويات الأسعار في ظل توقعات بضعف الطلب العالمي على النفط، لا سيما مع التباطؤ الاقتصادي الذي تشهده الصين وأوروبا بعد قرارات ترامب الأخيرة، وتأثيرها غير المباشر على السياسات التجارية الأمريكية من جهة، وسياسات التجارة العالمية من جهة أخرى".
ويتابع: "الأسواق كانت تترقب موقف أوبك+، وسط مخاوف من الفائض المعروض، ومن أن هذه الخطوة قد تدفع الدول المنتجة إلى مراجعة سياساتها الإنتاجية في حال استمرار تراجع الأسعار دون الأهداف المستهدفة".
ويشير إلى أن الأسواق كانت تتوقع نهجاً أكثر تحفظاً لدعم الأسعار، لكن القرار المتخذ يعكس رغبة المنتجين في حماية حصصهم السوقية وسط التحديات السوقية الجديدة والراهنة.
ويذكر الخبير الاقتصادي أن هذه العوامل إذا ما استمرت فستكون هناك جوانب من التوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية في السياسة النقدية ما قد يدفع الأسعار إلى مزيد من التراجع إذا لم يقابل هذه الزيادة في الإنتاج تحسن الطلب العالمي على النفط، ما يستدعي استراتيجيات أكثر حذراً من الدول المنتجة للحفاظ على استقرار السوق وتجنب الانهيارات الحالية دون مستويات الأسعار.
قرارات سابقة
تشير تحليلات الخبراء إلى أن قرار "أوبك+" بزيادة الإنتاج قد يؤدي إلى تراجع أسعار النفط على المدى القصير، إذ يترقب المستثمرون تأثير الزيادة في الإمدادات على توازن السوق.
وعلى الرغم من أن "أوبك+" تحاول تحقيق استقرار طويل الأمد في سوق النفط، فإن عوامل أخرى مثل تباطؤ الاقتصاد العالمي والتوترات الجيوسياسية لها دور مهم في تحديد الأسعار المستقبلية، خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة فرض تعريفات جمركية جديدة.
وكان الرئيس الأمريكي رفع مستوى التحديات أمام "أوبك+"؛ بدعوته، في يناير الماضي، المجموعة إلى خفض أسعار النفط عبر زيادة الإنتاج، بعدما صرح أمام قادة العالم المجتمعين في دافوس بسويسرا بأنه سيحث السعودية وشركاءها على "خفض تكلفة النفط".
ومنذ عام 2022، نفذت "أوبك+" سلسلة من التخفيضات في الإنتاج بهدف دعم الأسعار وتحقيق التوازن في السوق. وكانت بعض هذه التخفيضات قد أثبتت فعاليتها في رفع الأسعار، لكنها أيضاً أثارت انتقادات من بعض المستهلكين الكبار الذين اعتمدوا على إمدادات أرخص لتلبية احتياجاتهم الاقتصادية.
وفي 2023، اتفقت "أوبك+" على تخفيض الإنتاج بواقع 3.65 ملايين برميل يومياً، وهي خطوة ساهمت في رفع الأسعار مدة محدودة قبل أن تتراجع مجدداً نتيجة ضعف الطلب العالمي وارتفاع المخزونات في بعض الدول.