زيارة شي إلى بيونغ يانغ... ضبط العلاقات بعد مرحلة فتور
الرأي الثالث - وكالات
يبدأ الرئيس الصيني شي جين بينغ زيارة رسمية إلى كوريا الشمالية يومَي الثامن والتاسع من يونيو/ حزيران الحالي، وذلك بناءً على دعوة من الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.
وكانت آخر زيارة لشي إلى بيونغ يانغ عام 2019، قبل أن تتسبب جائحة كورونا في إغلاق المعابر الحدودية بين البلدين لسنوات.
وتأتي زيارة شي إلى بيونغ يانغ بعد قمة الرئيس الصيني والرئيس الأميركي دونالد ترامب في بكين، منتصف مايو/ أيار الماضي، تبعها بعد أيام قليلة استقبال الرئيس الصيني نظيره الروسي فلاديمير بوتين،
فيما تعمل الصين وكوريا الشمالية بحذر على إعادة بناء العلاقات بين البلدين بعد سنوات من العزلة النسبية بسبب الوباء، وعدم رضا بيونغ يانغ عن دعم بكين لنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، وتحفظات الأخيرة بشأن التعاون العسكري المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو.
توقيت زيارة شي إلى بيونغ يانغ
ومن المقرر خلال الزيارة أن يتبادل كبار قادة البلدين والحزبين الحاكمين (الحزب الشيوعي الصيني وحزب العمال الكوري)، وجهات النظر حول العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك، وفق ما صرحت به المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، أمس الجمعة.
كما سيغتنم الجانبان زيارة شي إلى بيونغ يانغ باعتبارها فرصة لتعزيز تطوير العلاقات الصينية الكورية الشمالية بما يتماشى مع متطلبات العصر، وتحسين رفاهية الشعبين، وتقديم إسهامات أكبر في تحقيق السلام والاستقرار والتنمية والازدهار الإقليمي والعالمي.
وأضافت ماو نينغ أنه "في السنوات الأخيرة، وبفضل التوجيه الاستراتيجي للأمين العام شي جين بينغ والأمين العام كيم جونغ أون، حافظت العلاقات الودية والتعاونية التقليدية بين الصين وكوريا الشمالية على تطور سليم ومستقر، ما عاد بفوائد ملموسة على كلا البلدين وشعبيهما".
يشار إلى أنه في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، حضر كيم عرضاً عسكرياً في بكين بمناسبة الذكرى الـ80 لانتهاء الحرب العالمية الثانية.
وكان هذا أول حضور لكيم في حدث ضخم متعدد الأطراف، حيث ظهر إلى جانب شي وبوتين.
وفي محادثات مع كيم في اليوم التالي للعرض العسكري، قال شي إن بكين تولي أهمية كبيرة للصداقة التقليدية بين الصين وكوريا الشمالية، وإنه بغض النظر عن كيفية تطور المشهد الدولي، فإن هذا الموقف سيظل دون تغيير.
وبعد شهر، زار رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ بيونغ يانغ لحضور فعاليات إحياء الذكرى الـ80 لتأسيس الحزب الحاكم في كوريا الشمالية.
وفي زيارة سابقة رفيعة المستوى إلى كوريا الشمالية، سافر تشاو لي جي، رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني (أعلى هيئة تشريعية في الصين)، وثالث أعلى مسؤول صيني بعد لي تشيانغ رئيس مجلس الدولة (رئيس الوزراء)، إلى كوريا الشمالية للقاء كيم في عام 2024.
وأعلن تشاو عام 2024، والذي صادف الذكرى الـ75 لإقامة العلاقات الدبلوماسية الثنائية، عاماً للصداقة. وعلى الرغم من هذا الإعلان، لم تُقم الدولتان أي احتفالات كبيرة في وقت لاحق من ذلك العام.
بعد لقائه شي في بكين، صرّح ترامب في طريق عودته إلى واشنطن بأنه قدّم اقتراحاً لنزع السلاح النووي إلى شي جين بينغ خلال القمة.
وفي هذا السياق، قال البيت الأبيض في بيان عقب الزيارة إن الزعيمين أكدا هدفهما المشترك المتمثل في نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية.
في المقابل، اكتفى البيان الصيني بالإشارة إلى مناقشتهما قضايا دولية هامة، مثل الوضع في شبه الجزيرة الكورية، ما أثار العديد من علامات الاستفهام حول مسار العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ.
ولكن بعد أسبوع من زيارة ترامب، دانت الصين وروسيا، في بيان مشترك عقب قمة شي وبوتين، استخدام العزلة الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية والضغط العسكري وغيرها من الوسائل لتهديد أمن كوريا الشمالية.
وتعهدتا بلعب دور بناء في دفع عملية الحل السياسي لقضية شبه الجزيرة، وبناء آلية سلام في شبه الجزيرة، والحفاظ على الاستقرار والأمن على المدى الطويل في شمال شرقي آسيا.
ومع ذلك، لم تكن بكين راضية عن إرسال بيونغ قوات إلى الحرب في أوكرانيا وتعزيز العلاقات مع روسيا، ولكن منذ أن حضر كيم الذكرى الـ80 ليوم النصر الصيني في سبتمبر الماضي، كان هناك اتجاه نحو تحسين العلاقات بين كوريا الشمالية والصين.
تغيرات جيوساسية
في قراءته للزيارة، قال الباحث في معهد جيانغ شي للدراسات السياسية (الصين)، لين وي إنه في ظل التغييرات الجيوسياسية الراهنة، "تحمل زيارة شي إلى بيونغ يانغ تأكيداً على استعادة التحالف بعد فترة من فتور العلاقات بين البلدين".
كما يصادف هذا العام، وفق لين وي، الذكرى الـ65 لمعاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة بين كوريا الشمالية والصين، التي وُقعت عام 1961 بين الزعيم الكوري الشمالي الراحل كيم إيل سونغ ورئيس الوزراء الصيني آنذاك تشو إن لاي.
وتتضمن المعاهدة بنوداً تُلزم الطرفين بتقديم المساعدة العسكرية وغيرها من أشكال المساعدة في حال تعرض أي منهما لعدوان مسلح ودخوله في حالة حرب.
وأضاف أنه "في ظل التحديات التي تواجه صورة الولايات المتحدة بصفتها دولة رائدة ومسؤولة، يبرز التحالف المناهض لها ويزداد رسوخاً"، موضحاً أن ذلك يتجلى "في لقاء شي مع كيم، عقب قمته مع ترامب وبوتين في وقت متزامن الشهر الماضي".
وفي رأيه، يشير ذلك إلى "رغبة صينية في تعزيز التحالف الثلاثي بين بكين وموسكو وبيونغ يانغ"
لافتاً إلى أن زيارة شي إلى بيونغ يانغ "تمثل فرصة لإعادة تأكيد نفوذ الصين على شبه الجزيرة الكورية في الوقت الذي تمضي فيه بيونغ يانغ قدماً في توسيع قدراتها العسكرية والنووية".
وقال إن "الصين باعتبارها دولة مسؤولة وعضواً دائماً في مجلس الأمن، ترى أهمية كبيرة في ضم كوريا الشمالية بصورة أكثر فعالية إلى هذا الحلف،
والتعامل معها بوصفها شريكاً أساسياً في تعزيز نظام متعدد الأقطاب في ظل حالة عدم اليقين التي خلقتها السياسات الخارجية للولايات المتحدة".
في غضون ذلك، أشارت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أول من أمس الخميس، إلى أن قرار شي القيام برحلة نادرة إلى الخارج يسلط الضوء أيضاً على حاجته إلى التودد لكيم.
ونقلت عن جون ديلوري، المؤرخ في شؤون شمال شرقي آسيا، والزميل البارز في "جمعية آسيا" في سيول، قوله إنه "ليس هناك شك في أن الصينيين يشعرون بالقلق بشأن مدى التقارب الذي أصبحت عليه العلاقة بين كوريا الشمالية وروسيا"
مضيفاً أن زيارة شي إلى بيونغ "تساعد على تجنب ذلك قليلاً، وهي وسيلة لشي لإدراج نفسه مرة أخرى في المعادلة".
كذلك نقلت عن لي بيونغ تشول، المحلل في معهد دراسات الشرق الأقصى في سيول، قوله إن "كوريا الشمالية لم تعد دولة مثيرة للشفقة تتشبث براعٍ واحد"
موضحاً أنها "وجدت جناحاً استراتيجياً جديداً في روسيا، بالإضافة إلى الصين، التي كانت شريان حياتها منذ فترة طويلة".