اليمن والسلام الممكن في ظل التحولات الإقليمية والدولية
يشهد اليمن اليوم لحظة فارقة تتجاوز مجرد البحث عن هدنة مؤقتة أو تفاهمات سياسية محدودة، إذ بدأت تتشكل ملامح مسار جديد تقوده المملكة العربية السعودية بالتعاون مع الأطراف الإقليمية والدولية، من أجل الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية الشاملة..
وهي فرصة تأريخية، ينبغي أن يدرك الجميع أهميتها لأن استمرار الصراع لم يعد يهدد اليمن وحده، بل أمن المنطقة بأكملها ومصالح العالم المرتبطة بالاستقرار الإقليمي والممرات البحرية والطاقة والتجارة الدولية..
وقد أثبتت سنوات الحرب الطويلة أن أي طرف لن يستطيع تحقيق انتصار كامل، وأن الحل الوحيد الممكن يكمن في بناء سلام عادل يشارك فيه الجميع دون إقصاء أو هيمنة أو استحواذ..
لقد دفعت اليمن ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب على المستويين الإنساني والاقتصادي، حيث انهارت مؤسسات الدولة، وتفككت البنية الاجتماعية، وتراجعت الخدمات الأساسية، وتوسعت دائرة الفقر والنزوح والبطالة.
وأصبحت الحاجة اليوم ملحة للانتقال من إدارة الحرب، إلى التفكير الجاد في بناء استراتيجية وطنية، لما بعد الحرب تقوم على المصالحة الوطنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق العدالة الانتقالية، وجبر الضرر وإعادة الثقة بين اليمنيين، بعيداً عن خطاب الكراهية والتحريض والانقسام الذي غذى الصراع طوال السنوات الماضية..
إن مسار السلام الحالي الذي ترعاه السعودية، يمكن أن يمثل نقطة انطلاق حقيقية إذا توافرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف اليمنية والإقليمية..
وتم التعامل مع السلام باعتباره مشروع إنقاذ وطني لا مجرد ترتيبات سياسية مؤقتة، فاليمن يحتاج إلى رؤية شاملة لإعادة الإعمار والتنمية وإصلاح الاقتصاد وإعادة بناء مؤسسات الدولة، على أسس الكفاءة والشراكة الوطنية وسيادة القانون.
كما أن المجتمع الدولي مطالب هذه المرة بالانتقال من إدارة الأزمة الإنسانية إلى المساهمة الفعلية في بناء السلام المستدام، ودعم مشاريع التنمية والاستقرار بعيداً عن السياسات القصيرة التي ساهمت في إطالة أمد الأزمة.
ومن الضروري أن تبدأ القوى السياسية والمكونات الاجتماعية والنخب الاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني في كل المحافظات اليمنية بالتفكير العملي في مرحلة ما بعد الحرب، عبر إعداد دراسات دقيقة لحجم الأضرار والاحتياجات ووضع خطط محلية لإعادة الإعمار والتنمية..
لأن السلام الحقيقي لا يصنع فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل من خلال استعادة حياة الناس وخلق فرص العمل وتحسين التعليم والخدمات وبناء الثقة بين المجتمع والدولة..
كما أن نجاح أي عملية سلام يتطلب تحييد الفساد ومنع القوى التي استفادت من اقتصاد الحرب من السيطرة على مرحلة إعادة الإعمار أو تحويلها إلى باب جديد للنفوذ والإثراء..
إن اليمن اليوم بحاجة إلى عقد وطني جديد يشارك في صياغته الجميع ويؤسس لدولة عادلة تتسع لكل أبنائها، وتحترم التنوع السياسي والاجتماعي والمذهبي، وتبني علاقات متوازنة مع محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي.
وإن مسؤولية بناء السلام لا تقع على طرف وأحد، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من اليمنيين أنفسهم، وتمتد إلى الأشقاء في المنطقة وفي مقدمتهم السعودية والدول الراعية للسلام، وصولاً إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية حقيقية لبناء مستقبل جديد ومستقر لليمن والمنطقة، وإما أن تضيع فرصة أخرى سيدفع الجميع ثمنها لسنوات طويلة قادمة..
* سفير بوزارة الخارجية