
تهديدات متبادلة.. هل تندلع الحرب بين أميركا وإيران؟ وهل سيكون اليمن ساحة مواجهة؟
في تطورات متلاحقة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب من حدة التوتر، وقال: إن "أي هجمات من الحوثيين في اليمن سينظر إليها باعتبارها قادمة من إيران".
وبعدما توعد الجماعة بالجحيم، ذهب ترمب إلى أبعد من ذلك، محملًا إيران مسؤولية تصرفات الحوثيين.
وقد تفجرت بعد هذه الاتهامات تصريحات مسؤولين أميركيين حملت في طياتها رسائل لطهران تحذر من عواقب الاستمرار في مساندة الحوثيين، والتهديد بتوسيع نطاق العمليات لتشمل إمكانية استهداف المصالح الإيرانية القريبة من السواحل اليمنية.
الضربات الأميركية على اليمن
وبعد نفيها وجود أي علاقة لها بعمليات الحوثي، أدانت طهران بشدة الضربات الأميركية البريطانية، واعتبرتها انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية، بل ودعمًا للإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني.
وفي الوقت نفسه، توعّدت طهران بأنها سترد بحزم وصرامة على أي تحركات تنتهك سيادتها وأمنها ومصالحها، قائلة: إنها "لن تبدأ الحرب"، ومنتقدة السياسة الأميركية تجاه طهران والمنطقة.
وتتقاطع الضربات الأميركية لليمن وربط سلوك الحوثيين بسياسات إيران في المنطقة مع موقف الإدارة في البيت الأبيض نحو طهران، خاصة ما جاء في رسالة ترمب بشأن السلاح النووي للمرشد الإيراني علي خامنئي، والتي خيّره فيها بين طاولة التفاوض أو الحل العسكري.
ما يحدث بطبيعة الحال هو ترجمة لسياسة الضغوط القصوى، التي أعاد ترمب نفسه تفعيلها ضد طهران لإجبارها على التفاوض وفق شروطه.
"التحريض الإسرائيلي هو كلمة السر"
وفي هذا الإطار، اعتبر رئيس تحرير صحيفة "الوفاق" الإيرانية مختار حداد أن استخدام ترمب لغة التصعيد يأتي في سياق سياسة الضغط على طهران، وسياسة الضغوط القصوى.
وذكر حداد أن سياسة الضغوط القصوى في فترة رئاسة ترمب الأولى تمثلت في فرض عقوبات على إيران، مؤكدًا أن الجمهورية الإسلامية صمدت في وجه هذه السياسة، بالرغم من الصعوبات التي واجهتها.
ورأى حداد أن ترمب يقوم بهذه الضغوط من خلال توتير الأجواء في المنطقة، بعد الضربات على اليمن، والتهديدات التي يطلقها ضد إيران.
وأضاف أن ترمب قال في رسالته إلى إيران - حسب بعض المعلومات غير المؤكدة - إن هناك الكثير في الولايات المتحدة لا يريدون السلام معكم، ولكن أنا أريده.
وفيما أشار إلى سلوك آخر من قبل ترمب تجاه إيران، يتمثل بتهديدها، لفت حداد إلى أن طهران أكدت ألا مفاوضات تحت التهديد وفرض شروط مسبقة، مستبعدًا أن تدخل الجمهورية الإسلامية في مفاوضات قريبة مع الرئيس الأميركي، في ظل تهديداته المتواصلة.
لكن حداد أوضح أنه في حال حدوث مفاوضات مستقبلًا بين الطرفين فستكون غير مباشرة، خلافًا لتلك التي أدت إلى الاتفاق النووي.
وأشار إلى أن التحريض الإسرائيلي هو كلمة السر في هذا الملف.
"الهدف من الضربات الأميركية على اليمن هو إيران"
من جهته، تحدث أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات عن 3 عوامل لمحاولة فهم ما يحدث في اليمن من قبل الإدارة الأميركية الحالية،
الأول، يتمثل في زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن واجتماعه بترمب، وحول ما تم الاتفاق عليه في الاجتماع.
و أضاف فريحات أن الكثير من التقارير أشارت إلى أن الملف الإيراني كان على رأس المواضيع التي نوقشت.
أما العامل الثاني، بحسب فريحات، فيتمثل في مواصلة إسرائيل محاصرة "أذرع إيران" في المنطقة، بدعم من الولايات المتحدة.
وأضاف أن العامل الثالث، يتمثل في الرسالة التي وجهها ترمب إلى القيادة الإيرانية، والتي خيرهم فيها بين الاتفاق وبين الضربة العسكرية.
وأوضح فريحات أن الهدف من الضربات الأميركية على اليمن هو إيران، معربًا عن اعتقاده بأنه سيكون هناك حسم بين خيارين خلال فترة ترمب، إما توقيع اتفاق نووي بشروط الرئيس الأميركي، وإما ضربة عسكرية.
وأشار إلى أن ترمب يسعى إلى تحسين شروط الاتفاق النووي الذي وقع خلال إدارة أوباما عام 2015، ولم يستطع تحسينه خلال فترته الأولى رغم تطبيقه سياسة "الضغوط القصوى".
"يريد أن يترك انطباعًا بأنه رجل قوي"
من ناحيتها، رأت رئيسة معهد "نيولاينز" للإستراتيجيات والسياسات كارولين روز أن التصعيد في غزة، وعدم الوصول إلى وقف إطلاق النار، جعل نتنياهو يسعى إلى حلول بديلة.
و أضافت روز أن ما شهدناه من تصعيد في اليمن كان مؤشرًا على أن الإدارة الأميركية لا تريد فقط أن تبعث رسالة إلى إيران، بل كانت تحاول أن ترى ما إذا كان بإمكانها أن تهندس شروطًا جديدة على الأرض من أجل وقف إطلاق النار في غزة.
واستبعدت أن تنجح هذه السياسة، لأن هجمات كهذه بحسب روز، لن تردع الحوثيين عن شنّ هجمات على السفن التجارية والأصول العسكرية الموجودة في البحر الأحمر.
وأعربت عن اعتقادها بأن نتنياهو يحاول تمهيد الظروف لكي يلحق به ترمب لإجراء مواجهة مع إيران، موضحة أن هذا الأمر يعتمد على ما إذا كان الرئيس الأميركي يريد التصعيد أم لا.
وأشارت روز إلى أن ترمب من خلال سياسته يريد أن يترك انطباعًا بأنه رجل قوي وصارم خاصة للناخبين في الولايات المتحدة.
ضربات ترمب مستمرة... والحوثيون يبرِّئون ساحة إيران
مع تواصل الضربات الأميركية لمواقع الحوثيين ومخابئهم، ضمن الحملة التي أطلقها الرئيس ترمب، السبت الماضي، زعمت الجماعة أن قواتها استهدفت حاملة الطائرات «هاري ترومان» للمرة الثالثة خلال 48 ساعة،
كما زعمت أنها في حالة حرب مع الولايات المتحدة، وأنها لا تتلقى الأوامر من إيران، في سعي لتبرئة ساحتها.
وكان ترمب قد أمر بحملة ضد الحوثيين، وهدد بـ«القوة المميتة» ضد الجماعة المدعومة من إيران، محملاً الأخيرة المسؤولية عن هجمات الحوثيين البحرية ضد السفن والأصول الأميركية في البحر الأحمر،
بينما قالت وزارة دفاعه إن العمليات لن تتوقف حتى يتوقف الحوثيون عن هجماتهم.
وفي أحدث الضربات الأميركية، استهدفت الغارات مواقع للحوثيين في صنعاء يعتقد أنها تضم مخابئ للأسلحة في محيط القصر الرئاسي، وفي شرقي المدينة وغربها،
كما شملت استهداف مخابئ في أكثر من موقع في محافظة الحديدة الساحلية، دون أن يتحدث الحوثيون عن طبيعة الخسائر الناجمة عنها، بخلاف ضربات اليومين الأولين التي قالوا إنها أدت إلى مقتل 53 شخصاً، وإصابة عشرات في صنعاء وصعدة.
ومع تجدد الحرب الإسرائيلية على غزة، يعتقد مراقبون يمنيون أن الجماعة الحوثية ستواصل التصعيد، وتعاود الهجمات بالصواريخ والمُسيَّرات باتجاه إسرائيل، وضد السفن في البحرين الأحمر والعربي.
وإذ حمَّل ترمب إيران مسؤولية هجمات الحوثيين، نفى وزير خارجية الجماعة في حكومة الانقلاب جمال عامر تلقي الأوامر من إيران،
وقال لـ«رويترز» إنه لن يكون هناك أي حديث عن تهدئة العمليات قبل إنهاء منع دخول المساعدات لغزة، زاعماً أن إيران لا تتدخل في قرارات الجماعة؛ بل تتوسط أحياناً، وليس بوسعها إملاء ما على الحوثيين فعله.
وقال المسؤول الحوثي إنه لا علم لديه عن أي رسالة سلَّمتها إيران إلى مبعوث جماعته لدى طهران، زاعماً وجود رسائل من قوى أخرى للتهدئة لم يُسمِّها؛
كذلك زعم أن الجماعة في حالة حرب مع الولايات المتحدة، مما يمنحها الحق في الدفاع عن النفس بالوسائل الممكنة كلها.
وكان زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي قد قال في أحدث خطبه، إن جماعته «ستواجه التصعيد بالتصعيد»، وسترد على الضربات باستهداف حاملات الطائرات الأميركية والبوارج الحربية، وبحظر السفن التجارية عن الملاحة في البحر الأحمر إلى جانب السفن الإسرائيلية.
كما هدد الحوثي بأن جماعته «ستنتقل إلى خيارات تصعيدية إضافية» إذا استمرت العمليات الأميركية، دون أن يشير إلى ماهية هذه الخيارات.
مواجهة مستمرة
وفي وقت مبكر من يوم الثلاثاء، ادعى المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع، أن جماعته تمكنت من استهداف حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس هاري ترومان» شمالي البحر الأحمر، بصاروخين مجنحين وطائرتين مُسَيَّرتين؛ كذلك استهدفت مدمرة أميركية بصاروخ مجنح و4 طائرات مُسيَّرة.
وزعم سريع أن هذا الاستهداف لحاملة الطائرات هو الثالث خلال 48 ساعة، وأن القوات الأميركية أصيبت «بحالة من الإرباك مما دفع بكثير من قطعها الحربية إلى التراجع باتجاه منطقة شمال البحر الأحمر».
وتوعد المتحدث الحوثي بأن جماعته لن تتوقف عن قصف كافة الأهداف المعادية في البحرين الأحمر والعربي، وبأنها مستعدة لمواجهة أي تصعيد أميركي أو إسرائيلي خلال الساعات والأيام المقبلة.
وفي حين سُمع دوي انفجارات ضخمة في صنعاء ليل الاثنين جراء الضربات، قالت القيادة المركزية الأميركية، الثلاثاء، إن قواتها «تواصل ضرباتها ضد الإرهابيين الحوثيين المدعومين من إيران».
وكانت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، قد ذكرت في وقت سابق من يوم الاثنين، أن حملة إدارة الرئيس دونالد ترمب على جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران باليمن تختلف عن تلك التي نفذتها الإدارة السابقة بقيادة جو بايدن،
مشيرة إلى أنها تشمل مجموعة أكبر من الأهداف.
وقال اللفتنانت جنرال أليكس جرينكويش، مدير عمليات هيئة الأركان المشتركة، إن الموجة الأولى من الضربات في اليمن استهدفت أكثر من 30 موقعاً، بما في ذلك مواقع تدريب، وكبار خبراء الطائرات المُسيَّرة الحوثيين.
وإذ يزعم الحوثيون أن تصعيدهم البحري والإقليمي هو من أجْل مناصرة الفلسطينيين في غزة، كانوا قد تبنوا منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 وحتى هدنة غزة بين إسرائيل وحركة «حماس» في يناير (كانون الثاني) الماضي، مهاجمة 211 سفينة، وأطلقوا نحو مائتي صاروخ وطائرة مُسيَّرة باتجاه إسرائيل، دون أن تكون لها نتائج عسكرية مؤثرة.
وأدت هجمات الجماعة الحوثية المدعومة من إيران خلال 14 شهراً إلى غرق سفينتين، وقرصنة السفينة «غالاكسي ليدر»، ومقتل 4 بحارة، في حين تلقت الجماعة نحو ألف غارة أميركية وبريطانية دون أن يؤدي ذلك إلى وقف هجماتها.