الكهرباء تصعق اليمنيين بفواتير خيالية وجشع يدمر المشروعات الصغيرة
زادت شكاوى اليمنيين بشكل كبير من الكهرباء التجارية التي أصبحت في موضع اتهام بالاستغلال البشع الذي يطاول الجميع من مستهلكين يعتمدون عليها لإضاءة منازلهم ومُلّاك مشروعات صغيرة وأنشطة اقتصادية لم تعد كثير منها قادرة على التعامل مع فواتير الكهرباء التجارية الباهظة والمكلفة.
وبالرغم من دورها الكبير واللافت خلال الفترات الماضية في توفير خدمة الكهرباء كما هو الحال في صنعاء وغالبية محافظات شمال اليمن، بعد انهيار منظومة الكهرباء العامة على أثر الحرب والصراع الذي شهدته البلاد وتسبب ذلك في انقسام وتفكك مؤسسات الدولة،
إلا أن الجدل زاد حولها في الآونة الأخيرة لأسباب عديدة تتعلق بارتفاع تكاليف استخدامها، وطريقة إدارة عدادات الاستهلاك،
حيث يكون هناك ارتفاع في مستوى الكيلوواط المستخدم ومبالغ الاستهلاك، وسط تشكيك من قبل المستهلكين على المستوى المنزلي بشكل خاص والأعمال والمشروعات بمعدل الاستهلاك المحتسب وفقاً لقراءة العدادات التي تُنقل عبر فواتير استهلاك خدمة الكهرباء المحدد تسليمها وفقاً للمواعيد المتبعة كل 10 أيام وفي الغالب 15 يوماً.
وحصل على فواتير استهلاك الكهرباء لأكثر من منشأة عاملة في صنعاء، حيث بلغت كلفة استهلاك محل تجاري في الشهر 145 ألف ريال، بمعدل 75 ألف ريال كل 15 يوماً،
بينما تتجاوز فاتورة استهلاك الكهرباء لمنشآت سياحية مثل الفنادق مبلغ 800 ألف ريال. ويتحدث أصحاب أعمال ومشروعات صغيرة وأنشطة تجارية واقتصادية وغيرها عن أن فواتير الكهرباء أصبحت عبئاً كبيراً يفوق طاقتهم،
إذ تعتبر من الأسباب التي دفعت البعض في الآونة الأخيرة للتوقف أو تقليص أعماله وخدماته، وهناك منشآت وأعمال ومحال تجارية ومشاغل ومعامل تدرس التوقف والإغلاق بشكل نهائي بسبب تكاليف الكهرباء الباهظة.
يقول فكري الدبعي، وهو مالك محل تجاري ومشغل خياطة إن العمل في ظل هذه التكاليف المرتفعة أصبح بمثابة مغامرة خاسرة، وكل الدخل يتم توجيهه مع انخفاض الحركة التجارية لتسديد فواتير الكهرباء، حيث يزيد ما يدفعه شهرياً عن 500 ألف ريال.
في حين تحدث عبد الله أحمد، وهو مالك إحدى منشآت الأعمال، عن أن منشآته صغيرة للغاية ومع ذلك تشكل الكهرباء مشكلة كبيرة وتتسبب بقلق دائم يدفع للبحث بكل الطرق عن كيفية تسديدها، والتي تصل شهرياً إلى مبلغ 30 ألف ريال،
فيما تراوح فواتير الكهرباء للمنازل بين خمسة آلاف و12 ألف ريال كل 15 يوماً، أي ما بين 10 آلاف و24 ألف ريال يمني شهرياً بحسب كمية الاستهلاك.
ويعتقد الخبير الاقتصادي في صنعاء رشيد الحداد أن كل محطات الكهرباء تتعمد نهب الناس واستغلالهم بشكل بشع، رغم أن تلك المحطات أدخلت منظومات بديلة للديزل وحولت منظومات الليثيوم إلى بديل،
وتكتفي بتشغيل مولد لساعة واحدة فقط بهدف تعبئة بطاريات الليثيوم في حال كان هناك ضغط على الكهرباء.
وهذا يعني أن استهلاكها لمادة الديزل تراجع بنسبة 70%، في الوقت الذي يشكو فيه مُلّاك محطات كهرباء تجارية من أن تكاليف الديزل زادت في الآونة،
حيث يباع لهم بسعر مختلف عن السوق، إذ يأتي ذلك تجنباً لمطالبتها بتخفيض سعر الكيلوواط مع انخفاض استهلاكها للديزل، والذي يصل في صنعاء إلى نحو 265 ريالاً،
إذ يرى الحداد أن سعر الكيلوواط بسبب ارتفاع استخدام بطاريات الليثيوم من قبل محطات الكهرباء التجارية من المفترض أن ينخفض إلى 140 ريالاً،
لكن ما يحصل هو العكس، ارتفاع في سعر الكيلوواط وفي الاستهلاك، والذي تقوم بعض المحطات باحتسابه حتى في الأوقات التي تكون فيها المنازل خالية من ساكنيها للسفر أو لسبب ما،
أو في حال استخدام الطاقة البديلة من الألواح الشمسية التي لا تخلو من أي منزل أو مصلحة ومنظمة ومؤسسة أو محل تجاري للموازنة بينها وبين التيار الكهربائي المستخدم من المحطات التجارية.
ويعتبر الخبير المالي والمصرفي علي التويتي أن من أهم أسباب غلاء الخدمات والمنشآت والأسعار هو ارتفاع اسعار الكهرباء، التي يرى أنها تتسبب في استنزاف المواطنين وتدمير الأعمال والمشروعات الصغيرة،
لافتاً إلى أن الطاقة الشمسية هي الخيار الأمثل لتجنب هذا الاستغلال الذي تمارسه المحطات التجارية.
ويتطرق التويتي إلى نقطة مهمة في هذا الخصوص، تتعلق بتفضيل المستثمر اليمني الاستثمار خارج البلاد، في المملكة العربية السعودية تحديداً، إذ تعتبر الكهرباء من بين أهم الأسباب،
واضعاً مقارنة توضح ذلك بالقول: استهلكت المملكة العربية السعودية العام الماضي 364 مليار كيلوواط كهرباء،
وفي حال مقارنة هذا المبلغ بسعر الاستهلاك في اليمن بعد إجراء عملية حسابية على سعر الكهرباء المقدر بمبلغ 250 ريالاً للكيلوواط والدولار يساوي 530 ريالاً في صنعاء،
فالمبلغ هنا سيكون مهولاً جداً بمعدل ثمانية أضعاف الناتج الإجمالي في اليمن ويصل لنحو 171 مليار دولار.
وللتوضيح أكثر يشير إلى أن إجراء دراسة جدوى بين اليمن والسعودية لإنشاء مصنع أو معمل أو منشأة تجارية متوسطة وتستهلك يومياً 5000 كيلوواط؛ في اليمن ستكلف 1.250 مليون ريال يومياً، أي 456 مليون ريال سنوياً،
بينما في السعودية تصل إلى 125 ألف ريال يومياً، أي نحو 45 مليون ريال سنوياً. لذا فإن فارق كلفة الإنتاج بالكهرباء فقط 410 ملايين ريال سنوياً،
إضافة إلى فارق كلفة النقل، والتي ستكون أكثر من فارق الكهرباء بسبب تضاريس اليمن الجبلية والطرق المكسرة،
فإذا كانت في السعودية 10 ملايين ريال سنوياً مثلاً فستكون في اليمن 130 مليوناً، أي أن إجمالي فارق كلفة الإنتاج في الكهرباء والنقل فقط 530 مليون ريال، أي مليون دولار،
هذا الفارق هو الذي يدمر ويقضي على المنتج اليمني وقدرته على المنافسة مع المستورد، هذا مع عدم احتساب الجبايات الأخرى التي ترفع كلفة الإنتاج في اليمن.
ويصف الحداد ما يحصل بأنه نهب وتحايل يجب أن تضع المؤسسة العامة للكهرباء حداً له، موضحاً أن السعر العادل للكيلوواط الواحد من الكهرباء التجاري في صنعاء لا يجب أن يتجاوز 150 ريالاً فقط،
لأن تجار المولدات يستخدمون الطاقة الشمسية نهاراً، ويشغلون مولدات الديزل بأقل كفاءة ليلاً، في حين يعتبر عدم تعديل سعر الكهرباء التجاري رغم خفض كلفة الإنتاج بمقدار النصف بمثابة كسب غير مشروع.
ويؤكد الحداد أن على السلطات المعنية في صنعاء دعم كافة البدائل المتاحة للكهرباء التي يتم توليدها بواسطة مادة الديزل، لكي يتم خفض كلفة استيراد مادة الديزل التي تستحوذ على ثلثي فاتورة استيراد الوقود والغاز المنزلي، لتوفر البدائل،
لافتاً إلى أنه من حق المستهلك المطالبة بإعادة النظر في تعرفة الكهرباء التجاري، لأنّ السعر الذي لا يزال فوق 260 ريالاً تضاف إليه رسوم خدمات أسبوعية غير عادلة.
محمد راجح