
"أثيرت".. مجلد أول للجزيرة العربية القديمة
صدر أخيراً المجلد الأول من مجلة "أثيرت.. مجلة الجزيرة العربية القديمة"، التي نظر إليها منذ أطلق مشروعها العام الماضي "مركز حسن بن محمد لدراسات الجزيرة العربية القديمة" في الدوحة، بوصفها فتحاً معرفياً مخصصاً لتاريخ وآثار ولغات وثقافات الجزيرة العربية القديمة، وخطوة مهمة لتطوير البحث الأكاديمي في هذا الحقل.
كان الإعلان عن المشروع في الدورة الثالثة والثلاثين لعام 2024، متوجاً جهداً مكثّفاً عبر شهور عدة، نجمَ عنها إيكال مهمة الطباعة والنشر إلى دار "بريل"؛ وهي واحدة من أبرز دور النشر الأكاديمية في العالم، وتأسّست عام 1683 في ليدن الهولندية، لضمان وصول الدراسات المحكمة باللغتين العربية والإنكليزية إلى أوسع نطاق عالمي.
بدأت "أثيرت" مع محمد مرقطن رئيس تحريرها، وهو عالم الآثار ومؤرخ في "أكاديمية برلين براندنبورغ"، من فكرة واضحة ورائدة تذهب إلى جغرافيا فوق الحدود السياسية الحالية، تمتد من اليمن إلى دول الخليج العربية حتى بلاد الشام وأجزاء من العراق.
هذه المساحة الشاسعة مليئة بالنقوش الأثرية والطبقات التاريخية التي تتنوع وتتشابك، وهو بالضبط ما يحيل إليه اسم المجلة "أثيرت"، وتلفظ الهمزة هنا مفتوحة، إذ إن "أثيرت" معبودة معروفة في الحضارة الكنعانية منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وصولاً إلى نسختها الثانية في حضارات اليمن القديم، خاصّة عند المعينيين والسبئيين.
يضم المجلد عشرين دراسة مناصفة بين اللغتين العربية والإنكليزية، وقد صدر في صيغتين ورقية وأخرى رقمية مفتوحة الوصول، بحسب الاتفاق المبرم بين المركز ودار النشر.
يقول رئيس تحرير المجلة محمد مرقطن إن "أثيرت" تعرض "أحدث التطورات في هذا المجال البحثي، بما في ذلك النظريات والمنهجيات والنتائج، ويجري التركيز بشكل خاص على الفن الصخري والاكتشافات الكتابية في الجزيرة العربية، بما يشجع الدراسات متعددة التخصصات لتعزيز الفهم الشامل لتاريخ المنطقة وثقافتها ومجتمعها".
بهذا المعنى يفيد مرقطن بأن "الحقب الزمنية التي تتخصص فيها المجلة في الجزيرة العربية القديمة تصل إلى مشارف ظهور الإسلام".
يحتوي العدد أيضاً على دراسات محوريّة تشمل نقشاً جديداً بالخط الزبوري اليماني، وتحليلاً لمراكز حضرية قديمة في وادي الجوف بين مملكتي سبأ ومعين، فضلاً عن توثيق نقش حول بيع وشراء ثلاث إماء من المتحف الحربي في صنعاء.
كما يتضمن العدد دراسة عن هينة بنت وهب؛ المرأة النبطية من القرن الأول الميلادي، ومساهمة كرسي محمود الغول في دراسة نقوش الجزيرة العربية، وهو الكرسي الذي تأسس في جامعة اليرموك الأردنية.
ويقدم الإصدار أبحاثاً عن نقوش سبئية من عهد المكرب كرب إيل وتر بن ذمار علي وأبنائه، وتحليلاً لدور الملك نابونائيد في الجزيرة العربية من خلال المصادر المسمارية.
كما تتناول إحدى الدراسات مفهوم الساعة المائية ودورها في إدارة المياه في اليمن قبل الإسلام، إضافة إلى استكشاف جديد للفن الصخري في منطقة الصِفَّية في سلطنة عمان.
وعُنيت المجلة كذلك بدراسات حول التراث اللغوي والثقافي، بما في ذلك الأمثال الشحرية في ظفار، والنقوش الصفائية المتعلقة بمساكن البدو الرحل، ودراسة تحليلية للنقوش التي تذكر قبيلة عاد، إلى جانب تحليل لغوي للنقوش الدادانية، ودراسات عن النقوش النسائية في اليمن القديم، وعلاقات اليمن الدبلوماسية مع البحر الأبيض المتوسط في القرنين الثالث والرابع الميلاديين.
محمد مستهيل الشحري، وضمن جهده البحثي في ذاكرة الثقافة الشفوية، اختار الأمثال الشَّحرِية في ظفار العمانية، مقدماً بعض الأمثال المتداولة، وتسمى أيضاً الجِبّالية.
والشحرية كما يقدمها الباحث هي ضمن اللغات العربية الجنوبية الحديثة وهي المهرية، والسقطرية، والهبيوتية، والبطحرية، والحرسوسية، بالإضافة إلى الشحرية، وسميت بالحديثة تمييزاً لها عن اللغات العربية الجنوبية البائدة؛ وهي اللغة التي دونت بها (القتبانية، والسبئية، والمعينية والحضرمية)، ويوجد خمس لغات منها في سلطنة عُمان، وجميعها شفوية غير مكتوبة، ومهدّدة بالانقراض.
وفي الدراسة التي قرأت النقوش الصفائية والفن الصخري المرتبط بها، اعتبر محمد عبابنة في منطلقه أن هذه النقوش مصادر أساسية لدراسة تاريخ وثقافة البدو العرب الشماليين القدامى في حرّة الشام العربية، الذين كانوا نشطين كتابياً على الأقل بين 200 قبل الميلاد و300 بعد الميلاد.
وعليه، يوضح الباحث أن هذه النقوش توفر رؤى مهمة حول أنماط حياة البدو الشماليين، بما في ذلك الجوانب الدينية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها،
وتحتوي على مصطلحات تتعلق بهجرتهم الموسمية للمراعي بين أماكن الراحة الصيفية حول البادية، حيث تتوافر مصادر المياه الدائمة، وبين أراضي الرعي.
وفي دراسة وقعها محمد مرقطن تناولت الساعة المائية في اليمن القديم، باعتبار المنشآت المائية من أبرز المؤسسات الحضارية هناك، إذ طورت شعوب هذه البلاد آليات قانونية لضبط توزيع المياه.
وتفيد الدراسة بأن النقوش الزبورية تعطينا بعض المعلومات عن حساب كميات المياه المستخدمة للري، أو ما يمكن تسميته بالساعة المائية.
ولعل من أبرز إبداعات أهل الجزيرة العربية أنظمة التحكم بالمياه والمنشآت المائية، فقد ابتدعوا نظام الأفلاج منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد، خصوصاً في عُمان، والذي انتشر لاحقاً مع الفتح الإسلامي إلى شمال أفريقيا ثم بلاد الأندلس، ولاحقاً إلى أميركا اللاتينية.
في دراسة ثانية حول النقوش العربية ما قبل الإسلام، ذهب الباحث أحمد الجلاد إلى النقوش التي أنتجتها قبيلة عاد مقدّماً نصاً صفائياً غير منشور حتى الآن من قبل أحد أفراد عاد.
ويثبت البحث أن الأصل الجنوبي العربي لهذه المجموعة لا تدعمه الأدلة النقشية، بل يبدو أن أراضي عاد كانت تمتد على الأقل من منطقة وادي رم (التي كانت تُسمى إرم) في ما يُعرف اليوم بجنوب الأردن، وصولاً إلى الحرّة في الشمال الشرقي.
وفي دراسة مشتركة لكل من سورين لوند سورينسن وكلاوس غويس؛ كان مدار عملهما العلاقات الدبلوماسية بين اليمن والبحر الأبيض المتوسط في القرنين الثالث والرابع الميلاديين،
استعرض الباحثان سابقاً الاتصالات بين دول اليمن القديمة والبحر الأبيض المتوسط في الفترات الكلاسيكية والهيلينستية.
أما في الدراسة الحالية فانتقلا إلى العصر المسيحي لدراسة عدة نقوش مشهورة تؤكّد العلاقات الدبلوماسية بين اللاعبين السياسيين الرئيسيين في البحر الأبيض المتوسط، وحضرموت وحمير.
يذكر أن المجلة، إضافة إلى نشر البحوث والدراسات، تنظّم على مدار العام ندوات علمية بدأتها بندوة "أنظمة التأريخ والتقاويم في الجزيرة العربية القديمة" التي أقيمت في شهر فبراير/ شباط 2025.
ومع حفل تدشين النسخة الأولى من المجلة في "معرض الدوحة للكتاب" المزمع في مايو/ أيار المقبل، ستقام كذلك أنشطة ثقافية بينها ندوة علمية.
محمد هديب
كاتب وصحافي أردني