عودة الإمامة والسلطان أم عودة الوعي؟!
يبدو أن بعضهم، ممن يعيش في كهوف التاريخ ويستنشق غبار الولاية، والسلطنات
قرر فجأة أن يعيد تشغيل آلة الزمن، وأن يسحبنا من الحاضر، بكل تعقيداته وأحلامه، إلى مربع ما قبل سبتمبر 1962 وأكتوبر 1963، إلى زمن الإمامة في الشمال والسلطنات في الجنوب، وكأن الثورة كانت زلّة إصبع في دفتر الزمن.
لكن دعونا نضحك قليلا – لا من باب المرح، بل من باب السخرية السوداء – على من يظنون أن اليمني الذي عرف طعم الجمهورية، وارتوى من شمس الحرية، سيرضى أن يُقاد كالقطيع إلى خيمة السيد، أو يُقبل يد السلطان.
على إن هؤلاء الذين يروجون لفكرة "الحنين إلى الماضي"، لا يدركون أن اليمني ليس آلة تسجيل تعيد الأغنية القديمة حينما ينفد الرصيد السياسي. بل هو كائن متمرد، إذا جاع أكل الصخر، وإذا غضب هز الجبال.
نعم ، يريدوننا أن ننسى سبتمبر وأكتوبر؟ أي وقاحة تاريخية هذه؟!
أيتناسون أن أول صيحة "الله أكبر" حقيقية في اليمن لم تكن من فم إمام في محراب السلطة، بل من بندقية جمهوري على قمم صنعاء؟
وأن أول نشيد وطني في الجنوب لم يكن تسبيحة لسلطان، بل زغرودة في شوارع عدن الحرة؟
لذلك اقول " الشعب اليمني اكبر شمالا وجنوبا وغرباً وشرقا ووسطا " لأن إرادة الشعب من إرادة الله .
والحق يقال إن الذين يحنّون لعهد الإمامة، والسلطنات عليهم أن يحنّوا أيضا لطوابير الجوع، ولحبال المشانق، ولخرافة "الحق الإلهي" التي كانت تفتك بالعقول قبل الأجساد.
أما من يترحم على زمن السلطنات، فليتذكر أنه لم يكن سلطانا بل خادماً في قصر السلطان.
الشعب اليمني، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، ووسطاً، أكبر من أن يُختزل في سردية سيد أو شطحة سلطان.
نعم ، هذا الشعب الذي علم العالم كيف تنهض الثورات رغم الخيانات، وكيف تُكتب الملاحم في أزقة المدن المنهكة، لن يعود القهقرى لأن حفنة من الانتهازيين قرروا أن يتاجروا بالدم والذاكرة.
صدقوني، الشعب اليمني ليس مجرد جمهور في مسرحية هزلية تُعرض على مسرح الأمم المتحدة، ولا هو دمية في يد المبعوثين الدوليين الذين يساوون بين الجلاد والضحية. هو ذاكرة من نار، إذا اشتعلت، أحرقت من يظن أن بإمكانه إعادة تشكيل الجغرافيا بعقلية إمام، أو سلطان، أو حتى ممثل أممي محترف في دفن القضايا.
فلتُرفع الرايات، لا رايات السادة، ولا رايات السلاطين بل رايات الشعب. ولنُشهر احلامنا، لا لنكتب قصائد مدح في أسياد الأمس، بل لننقش الحقيقة فوق جدار المستقبل: لن نعود، إلى الاسطبل لأننا وُلدنا أحرارا.
بمعنى أدق لن نعود إلى الكهف كهف الامام وكهف السلطان
فبينما يحاول بعضهم إعادة عقارب الساعة إلى الخلف، وجر اليمنيين إلى زمن ما قبل سبتمبر وأكتوبر، إلى عهد الإمامة الغارق في الوهم، والسلطنات الغارقة في التبعية،
يجب أن يظهر الشعب اليمني من جديد، كعادته، أكبر من كل المؤامرات، وأصلب من كل محاولات الطمس. شمالا وجنوبا، شرقا وغربا ووسطاً...فاليمني لا يُستدرج، اليمني يُفاجئ.
نعم ، يبدو أن هناك من لم يستوعب بعد أن هذا الشعب، الذي ذاق طعم الجمهورية، واحتفى بالثورتين الخالدتين، واستنشق عبير الحرية، لا يمكن إعادته إلى بيت الطاعة، لا باسم السلالة، ولا باسم التاريخ المصنوع في أقبية الوصاية.
فالحنين إلى الإمامة والسلطنات ليس إلا وهما يسكن عقولا أنهكها العجز وفقدت بوصلتها في دروب الحداثة.
نعم ، يريدوننا أن ننسى سبتمبر؟ أن نتجاوز أكتوبر؟ أن نكفر بالثورتين ونعود لنُقبل أيدي السادة والسلاطين ونتبارك بخرافات ،الحق الاستعلائي،؟ أي جنون هذا! وأي انتحار أخلاقي وفكري وسياسي يُراد تمريره علينا؟!
لذلك نقولها بلا تردد: من يترحم على عهد الإمامة، عليه أيضا أن يترحم على طوابير العبودية، وعلى فتاوى الجهل، وعلى السجون المفتوحة باسم الفضيلة.
ومن يتغنى بزمن السلطنات، فلينظر في المرآة: هل كان سلطانا حقا؟ أم مجرد ظل في حفلة نخبوية لم يكن مدعوا إليها؟
من هنا فإن الشعب اليمني ليس صدى في خطبة جمعة، ولا زينة في خطاب مبعوث دولي يتقن فن المراوغة. إنه المعنى نفسه، الذاكرة ذاتها، والشرارة التي لا تنطفئ.
وإن أراد العالم أن يرى اليمني الحقيقي، فلينظر إلى ذلك الذي رفض الإمامة والسلالة، والسلطة الوراثية، وأصر على الجمهورية رغم الجوع والحصار.
صدقوني، لن نعود إلى الكهف. لن نُختصر في تاريخ مريض ولا في تسويات مهينة.
لقد قررنا أن نكون حيث يجب أن نكون: في الصف الأول من معركة الوعي، حاملين راية الشعب، لا راية التخلف. واقفين لا راكعين. أحرارا لا مملوكين.